عبد الصمد الشنتوف
حين وصلت الريف الإنجليزي خالجني ارتياح عميق يملأ صدري، وكأني أتيت هاربا من زحمة وصخب لندن. كانت ضيعة "هورسماندن"هادئة وجميلة، يحيط بها التفاح من كل جانب، أشجار كثيفة متراصة ومنتظمة في صفوف طويلة وكأنها كتائب جيش عرمرم. عندما تمد بصرك تراها مقسمة على أشكال شوارع طويلة. منح دافيد كل واحد منا سترة بجيوب فضفاضة من قماش قطن بني، نضعها على أكتافنا ثم نشرع في تحميلها بتفاح طازج. دافيد يصر على قطف الفاكهة التي لا تخترق الثقب الدائري للمعيار الخشبي. تفاح ناضج يكون قد أينع قطافه.
انتشرنا في الضيعة مثل الذباب وأخذنا نتسلق السلالم. تولى كل واحد منا قطف صف أشجاره المخصص له. عندما تكون متسلقا شجرة باسقة يتحتم عليك تحميل الجيوب بالتساوي حتى لا تفقد توازنك فتسقط على الأرض، لأنه عمل شاق تلزمه قوة بدنية وتوازن الجسد.
جسدي لم يخذلني أمام دافيد لما احتجت إليه في الريف الإنجليزي، ليس كالكتب والكراسات التي خذلتني أمام الأستاذ هنري خلال مباراة (CPR) بالرباط.
هدفي المرسوم في ذهني هو تحميل مائة صندوق حتى أتقاضى أربعين جنيها. يملأ جورج الإفريقي مائة وأربعين صندوقا، حيث يصعد الأشجار بخفة عالية دون الحاجة إلى سلالم، فيما إليزابيث تحمل أكثر من مائة صندوق في اليوم. جورج يردد دائما أنه يعشق فاكهة (الكاكايا) اللذيذة، وهي فاكهة غير مألوفة لدي لا تنبت سوى في إفريقيا الاستيوائية، مضيفا أنه متعود على تسلق قمم أشجار (الكاكايا) العالية بمهارة فائقة في موطنه.
ما أن أصعد الدرج الخامس من السلوم حتى يكون جورج وزوجته قد سبقاني وجلسا متربعين فوق قمة أشجارهما ليشرعا في جني التفاح بسرعة لافتة. يمسك جورج بتفاحة فيقضمها. يلتهمها بنهم شديد ثم يردد: التفاح الإنجليزي مذاقه حلو ومنعش، ليضيف متحسرا: مع الأسف أشجاره لا تنمو في بلدي غانا.
يحدث أحيانا أن يتصايح جورج وإليزابيث عن بعد، فينهمكان في حديث لا يصلني منه سوى ضجيج مزعج، ثم يشرعان في إرسال أصوات غريبة حتى أخالهما يتواصلان مع طيور اللقالق البعيدة، ما يلبثا أن يتلصصا النظر إلى بعضهما عبر فتحات الأغصان وأوراق الأشجار الوارفة.
لم أكن أعرف أن غانا بلد ذو أغلبية مسيحية ساحقة.
في صباح يوم الأحد، استدعاني جورج لمصاحبته إلى الكنيسة. طلبت منه أن يتريث قليلا ريثما أتوجه فورا نحو خوصيه البرتغالي ملتمسا منه مرافقتنا، لكنه امتنع بشدة. فهمت بعد ذلك أن خوصيه كاثوليكي ولا يعير للمسيحية أي اهتمام، أما جورج فهو على المذهب البروتستاني. الحق أنه لحظتها لم أكن أعرف الفرق بين المذهبين المتخاصمين منذ قرون بعيدة. سوف أطلع فيما بعد على حرب المائة عام التي دارت بين الإنجليز والفرنسيس على خلفية مذهبية. حرب دموية طاحنة أكلت الأخضر واليابس ظل يتداول عليها ملوك البلدين لمواصلة القتال بسبب تباين العقيدة. كانت ثان مرة في حياتي أستكشف الكنيسة من الداخل.
جلسنا في الصفوف الخلفية وأسندنا ظهورنا إلى كراسي خشبية مستطيلة. بدا لي عدد الرواد محدودا حيث لم أكن أرى سوى بعض العجائز من سكان البلدة. راقني مشهد فريق كورال يرتدي لباسا موحدا يردد ترانيم إنجيلية على إيقاع موسيقى رقيقة وكأنني في دار الأوبرا.
لم يسبق لي أن اطلعت من ذي قبل على تفاصيل المذهب البروتستاني، ذلك أنهم لا يعتمدون في صلواتهم وطقوسهم الدينية على المجامر والبخور، لكنهم يلتقون مع الكاثوليك في طقوس ما يسمى ب"أفخارستيا"، ويطلقون عليها أيضا إسم "القربان المقدس"، وهو تذكير بالعشاء الأخير الذي تناوله المسيح بصحبة حوارييه عشية آلامه. طقوس تتم بصيغة تناول قطعة صغيرة من الخبز يسمونها (البرشان) التي تمثل جسد المسيح، تغمس في قليل من الخمر الذي يمثل دم المسيح.
صعد الكاهن منصة مزخرفة تشبه المنبر وأخذ في إطلاق تراتيل وصلوات ممسكا بعصا غليظة ذهبية على هيأة صليب. دنوت من رأس جورح فهمست في أذنه اليمنى: ماذا يقول الكاهن؟ فرد علي منزعجا: إنه يدعو للبشرية جمعاء بالمحبة والسلام وتخليصها من كل الشرور. لم أتمالك نفسي فأجبته بنبرة حادة: ولكن شرور العالم مصدرها الإنجليز أنفسهم، أليس كذلك؟ رمقني بنظرة واجمة قبل أن أضيف: ألم يقتلعوا شعب فلسطين من أرضه ومنحوا الأرض لقوم لقيط من صهاينة العالم؟ فأومأ برأسه معترضا على كلامي وقد علت تقاسيمه علامة الغضب. سرعان ما رد علي بصوت خافت: دعنا الآن من السياسة صديقي المسلم، نحن في موضع خشوع وصلاة.
في تلك الأثناء، عادت بي ذاكرتي إلى الوراء لأسافر في الزمن. تذكرت حينما كنت طفلا صغيرا أمر بجانب كنيسة ديل بيلار بالعرائش. كان الباب مشرعا فيما الإسبان متسمرون على كنبات خشبية خاشعين في صلواتهم. دفعني الفضول أن أقتحم الباب لاستطلاع المشهد الغريب عن قرب. وما إن ولجت الكنيسة حتى لفحت وجهي موجة بخور قوية تصعد من مبخرة معدنية يحملها الكاهن. كان يرتدي عباءة طويلة بيضاء مع قلنسوة سوداء يضعها على رأسه، وعقد فضي لامع يسيج عنقه، ويحمل صليبا متدليا على صدره. حينما لمحت عيناي تماثيل ومجسمات المسيح ومريم العذراء معلقة في الفضاء أصابني دوار ورهبة شديدة. تخيلتها أصنام قريش كما حفرها في مخيلتي فقيه "المسيد" سي الحليمي الذي كان يرميها بأوصاف معيبة، ويذمها بنعوت قبيحة. كان يمقتها بضراوة، لذا كان يحذرنا من الاقتراب منها حتى لا يكون مأوانا النار وبئس القرار. ببراءة الأطفال كنا نصدق فقيهنا المبجل الذي كان قاسيا بلا حد. ينهال علينا ضربا بقضيب رمان طويل، أحيانا لأسباب واهية.
ذات يوم، عاقب سي الحليمي زميلي عسو بالفلقة، فأمر برفعه على الأكتاف وأخذ يضربه على أخمص قدميه حتى يكاد يغمى عليه، كنت أرى عسو محمولا في الهواء كالخروف مغمض العينين، يحرك قدميه، ويصرخ من شدة الألم مناديا على أبيه (وا با، وا با)! لكنها ليست سوى صيحة في واد. لم يكن يتوقف الفقيه عن الضرب إلا حينما يتسرب إليه الإعياء، فيطرح عصاه على الأرض. أما الطفل المعذب فيكاد يستطيع الوقوف على قدميه في مشهد غارق في السادية. لبث زميلي عسو يمشي مترنحا طيلة أسبوعين أو أكثر يستعصي عليه حمل جسده النحيف، غير أنه ظل وفيا لفقيهه المهيب يدين له بالاحترام والتبجيل، ويقبل يده صباح مساء.
خرجت من الكنيسة جزوعا وكأن بي مسا من الجن، فأطلقت رجلي للريح أركض بقوة. كنت خائفا. حين ألوي ورائي كنت أرى الأصنام وهي تركض خلفي حتى أوشكت أن تمسك بي. كدت أبلل سروالي من فرط الرعب، لم أتوقف عن الركض إلى أن بلغت بيتنا بحي "جنان قريوار" متصببا من العرق. هرعت إلى المطبخ لاهثا وأنفاسي تكاد تختنق. ألفيت أمي مخضبة اليدين بالعجين. كانت تحضر لنا الخبز. تغطي العجين بفوطة نظيفة ليختمر قليلا، ثم تخبزه لاحقا. أطلعتها على ما شاهدت داخل الكنيسة فاستشاطت غضبا، ما لبثت أن صرخت بأعلى صوتها في وجهي ! عاتبتني بقوة على فعلي المتهور مهددة إياي بوعيد نار جهنم التي قد أكوى بها إن عاودت هذا الفعل ثانية. صرت أعاني من عقدة "الكنيسة"، ولم أتحرر منها إلا بعد سنين عديدة. منذ ذاك الحين وأنا أتوجس من مروري قرب أسوار كنيسة ديل بيلار ورصيفها الأنيق، فضلا عن سيري بمحاذاة بابها الخشبي العريض، المطلي بلون أزرق فاقع.
فرغ الكاهن من القداس الإلهي، وافترقت الجموع عند مدخل كنيسة هورسماندن. مشينا سويا أنا وجورج عائدين إلى مقامنا بضيعة التفاح. كنت أحسبه سيقلق مني بعدما صدر مني ذلك السلوك الأرعن خلال طقوس الكنيسة، لكن ما حصل هو العكس تماما. كان جورج منفتحا متسامحا إلى أبعد حد. كنت أسأله عن معتقده المسيحي فيرد علي بارتياح وهدوء. أنا بدوري كنت أصغي إليه بتأمل. كان يبتسم ويقول: خالق الكون واحد، والرب واحد، لكن كلانا يعبده بطريقته. وافقته الرأي ولم أرغب في مجادلته حفاظا على الود والسلم الذي كان يسري بيننا.
وفي لحظة مفاجئة، تطلع إلي سائلا: لم لا نقوم يوم الأحد القادم بزيارة المسجد لاستكشاف ثقافتكم عن قرب؟ لبثت صامتا ولم أرد. شعرت ببعض الضيق وأنا أحاول مراوغته لتغيير دفة الحديث. أشياء كثيرة مرت بذهني وقتها دون أن أفصح عنها لجورج، قلت في نفسي لن تنفعه في شيء. إذ كيف سأشرح له أنني شاب مسلم مقبل على الحياة لكن لا أتردد على المساجد. دعوت الله في سريرتي: يا رب اغفر لي خطيئتي وخلصني من هذا المأزق المخجل، كيف لي أن أستدعي جورج إلى بيت الله، وأنا لم أكن من المصلين.