خالد أخازي: "الالتقائية" البنسعيدية.. قصة حجاب لغوي يخفي عورة السياسات الفاشلة

خالد أخازي: "الالتقائية" البنسعيدية.. قصة حجاب لغوي يخفي عورة السياسات الفاشلة خالد أخازي

بوزنيقة... المدينة التي تشهد تاريخيا على ولادة "الطبخات" السياسية...تعقد فيها المؤتمرات والمناظرات وكل صيغ التفكير حول التنمية... وجين تعود النخبة إلى معاقلها.... ينسون مدينة... خارج التنمية..


 في هذه المدينة/ القرية...قرر المهدي بنسعيد من جديد أن يفتتح موسم "الاستعراض الحواري" الفاخر. "المناظرة الوطنية الأولى لمؤسسات الشباب" ...حتما كالعادة... لنرى تكون حدثا عابرا في أجندة الوزارة،  بل ستكون مادة دسمة لتصريف إعلامي يخفي أعطاب آلة تدبيرية معطلة أصلا، ومحاولة بائسة لإقناعنا بأن تاريخ الشباب المغربي بدأ يوم وضع خونا الوزير قدمه الوزارة. 


الرقم "واحد"... يا لها من مهزلة... الحكومة تحزم حقائبها... وبنسعيد... يطلع علينا بالنسخة الأولى لمناظرة في الزمن الميت...


فالرقم 1 ليس مجرد عدد ترتيب، بل هو عرض نرجسي لمتلازمة" نكران ما سبق" لابتلاع مجهودات عقود من التقارير واللجان، وكأن كل ما كتبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وما سطرته لجنة النموذج التنموي، كان مجرد خربشات على رمال شاطئ بوزنيقة، في انتظار "المهدي" المنتظر ليعيد صياغة "الفشل" في قالب أنيق.


المثير للسخرية، أو ربما للغثيان السياسي، هو هذا الإصرار العجيب على تحويل "التشخيص" إلى مهنة مدرة للدخل الإعلامي. نحن في عام 2026، والوزير لا يزال يطلب "مناظرة" لمناقشة "تحديث الأدوار". 


أي أدوار نتحدث عنها يا صديقي بنسعيد؟ هل هي أدوار "دور الشباب" التي يسكنها الغبار والروتين، والتي أصبحت في عهدكم أقرب إلى "متاحف" للفشل الإداري؟ أن تستدعي مئات الفاعلين لتناول "وجبات راقية" ومناقشة "الالتقائية" في قاعات حالمة  بمجمع مولاي رشيد، بينما الشباب في "درب غلف" والحي المحمدي  ودرب السلطان أو "قرى الأطلس" والبوادي يبحثون عن مخرج في قوارب الموت أو في "سرداب" المخدرات، هو قمة الانفصال عن الواقع.

 

759408ec-c261-4ff8-a1bd-8ee7d11851c8.jfif

 


أنت لا تنظم نقاشا، بل تمارس "التهريب الفكري" بتمويل عمومي سخي، محولا وجع الشباب إلى "مادة دسمة" للندوات التي لا تترك وراءها إلا أكواما من الورق الملون.


إن "الالتقائية" التي ترفعها كتميمة سحرية ضد الفشل السياسي، أصبحت في قاموسك مثل "العنقاء"، نسمع عنها في كل "ستوري" على إنستغرام وفايسبوك ولا نراها في أي خدمة على الأرض. "الالتقائية" الحقيقية ليست في بوزنيقة، بل هي تلك التي نراها حين يلتقي "يأس" الشاب ب "انسداد" الأفق، فتنتج لنا جيلا  بلا أمل ... جيل يمثل 4.3 مليون قنبلة موقوتة. فبدل أن تنسق مع زملائك في التعليم والتشغيل لخلق "مسار" كرامة، تختار "الهروب التكتيكي" إلى بوزنيقة لفتح "ورشة" نقاش جديدة. هذا النوع من التدبير ليس سياسة، بل هو "بهرجة" إعلامية تليق بـ "منظم حفلات" أكثر مما تليق بوزير وصي على مستقبل شباب أمة.


السيد الوزير، أنت تتعامل مع قطاع الشباب كأنه "أستوديو" تصوير كبير. الصورة عندك هي المبتدأ والخبر. "بطاقة الشباب" التي طبلت لها المنابر الموالية ولدت مشوهة، ولم تقدم للشاب المغربي إلا "تخفيضات" وهمية على خدمات لا يستطيع أصلا الوصول إليها. والآن، تأتي "مناظرة بوزنيقة" لتكون "الموسم الثاني" من مسلسل "بيع الوهم". إن هدر المال العمومي في تنظيم هذه "الكرنفالات" هو جريمة مكتملة الأركان في حق بلد يعاني من أزمة تضخم وخنق اقتصادي. كل درهم يصرف على "  مأدبة فكرية " ببوزنيقة هو درهم مهدور  من ميزانية تجهيز وإنعاش  دار شباب في مدينة منسية، أو من تمويل مشروع صغير لشاب لا يملك "واسطة" للوصول إلى أصحاب القرارات والصفقات.


لنتحدث بلغة "الفشل الموثق": ما هي القيمة المضافة لمناظرة ستعيد إنتاج  التوصيات ذاتها التي قيلت في التسعينيات؟ هل سنناقش "تحديث الأدوار" للمرة المليون؟ الأدوار معروفة: الشاب يحتاج إلى شغل، سكن، كرامة، وحق في الحلم. 


دور الشباب تحتاج قرار سياسي شجاع... التدبير الهجين المدني بالتفويض... ونعود للسطر..
مؤسساتك يا سيد بنسعيد أصبحت "جدرانا صامتة" تفتح أبوابها لسويعات لتغلقها في وجه الطاقات، بينما أنت غارق في هندسة "الالتقائية" الشفوية. إن تحديث هذه المؤسسات لا يحتاج لمناظرة، بل يحتاج لقرار سياسي بـ "رقمنة" حقيقية وبـ "تفويض" الصلاحيات للشباب أنفسهم ليديروا فضاءاتهم بعيدا عن "بيروقراطية" بعض موظفي الكراسي الذين ينتظرون ساعة المغادرة... إن وجدوا...


فعندما ننظر إلى دول تحترم عقول مواطنيها، نجد الفرق شاسعا لدرجة الألم. في فنلندا، المشاركة الشبابية ليست "ندوة" في فندق، بل هي "ميزانية تشاركية" يقرر الشباب أين تذهب. وفي ألمانيا، "العمل مع الشباب" مؤطر ب "قانون صلب" لا يتغير بتبدل مزاج الوزير أو رغبته في "البوز". أما في مغرب "بنسعيد"، فالسياسة الشبابية هي "ردود أفعال" ومهرجانات. "تحديث الأدوار" عندنا يتم بـ "الخطاب الأخلاقي"، بينما في كوريا الجنوبية يتم ب "منصة رقمية موحدة" تجمع التعليم والتدريب والصحة النفسية في مكان واحد، وتتبع أثر كل درهم يصرف على الشاب في الزمن الحقيقي.


ما الذي يجب فعله الآن؟ أولا، أوقف هذا "السيرك" الشفوي فورا... فالمغرب لا يحتاج لمناظرات، بل يحتاج إلى"عقود تنفيذية" ملزمة. يجب إعلان حالة "طوارئ تنفيذية" في قطاع الشباب، وإيقاف إنتاج التشخيصات التي تتناسل ولا تنفذ مخرجاتها... ثانيا، نحتاج إلى "ميزانية تقاطعية" حقيقية، حيث تصبح وزارة الشباب هي "المحاسب" الذي يسائل وزارة التشغيل والتعليم عن "حصتها" من الشباب، لا أن تبقى وزارتك مجرد "ملحق" إعلامي يوزع "الشهادات التقديرية". ثالثا، حول "دور الشباب" إلى "مراكز خدمات شاملة" تدار بمنطق "القطاع الخاص" من حيث النجاعة، وبمنطق "الدولة" من حيث الحماية الاجتماعية.


السيد الوزير، إن "الزمن الضائع" في بوزنيقة لن يعوضه أي "بيان ختامي" منمق. القيمة ليست في عدد "اللايكات" التي تحصدها صورك في المجمع، بل في عدد الشباب الذين انتشلتهم من براثن "الضياع". إن "الالتقائية" التي لا تترجم إلى "فرص شغل" و"دعم نفسي" و"مواكبة مقاولاتية" حقيقية هي مجرد "نكتة سمجة" يتداولها الشباب في المقاهي وهم يراقبون صوركم في اللقاءات. كفى من بيع "المكياج" لقطاع يلفظ أنفاسه، فالمسافة بين "مجمع مولاي رشيد" و"أحياء الضياع والبوفا" لا تختصرها المناظرات، بل يختصرها "العدل" في توزيع الفرص والثروة.


بوزنيقة ستنتهي يوم 17 ماي، وسيخرج المشاركون بـ "حقائب" محملة بالأوراق والذكريات الجميلة عن "طعام الوزارة"، لكن المشاكل ستبقى هناك، في الزنقة، وفي الدوار، وفي قلوب ملايين الشباب الذين لا يرون فيكم إلا "نخبة" تقتات على أزماتهم لتلميع صورتها السياسية. الإصلاح يبدأ حين نغلق قاعات الفنادق ونفتح "أوراش" التنفيذ القابلة للقياس والمحاسبة. هل تجرؤ على تحويل وزارتك من "منظم حفلات" إلى "قاطرة تنمية"؟ أم أن "الاستعراض" هو القدر الوحيد الذي تملكه في جعبتك؟


خويا بنسعيد، الشباب المغربي ليس "إكسسوارا" في صورتك، بل هو "قاض" سيحاكم تجربتك بناء على "الأثر" لا على "الصور". والمؤشرات الحالية تقول إنكم غارقون في "الوهم"، والوهم في السياسة له كلفة باهظة يدفعها الوطن من دمه ومستقبله. اترك بوزنيقة لمرتادي الشواطئ، وانزل إلى "الميدان" حيث الحقيقة عارية ومؤلمة ولا تحتاج لمناظرة لتفهمها.

 


خالد أخازي: كاتب وإعلامي