جانب من اللقاء
شهدت رحاب الكلية متعددة التخصصات بمدينة خريبكة، صباح يوم الجمعة 24 أبريل 2026، تنظيم ندوة فكرية محكمة، وذلك في إطار فعاليات الدورة الخامسة والعشرين من المهرجان الوطني لعبيدات الرما، المنظم تحت رعاية الملك محمد السادس.
وتمحورت هذه الندوة، التي عرفت حضور عدد من الطلبة والطالبات وعموم الجمهور، حول موضوع: “ربع قرن من الاحتفاء بتراث عبيدات الرما”، حيث شكلت مناسبة للوقوف عند مسار هذا التراث الفني الشعبي على امتداد 25 سنة من الحضور والعطاء، في قراءة نقدية تستحضر أبعاده الفنية والثقافية والرمزية.
في سياق متصل، شارك في الندوة التي سيرها فيصل أبو الطفيل، كل من الشرقي نصراوي، أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بخريبكة، التابعة لجامعة جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، حيث قدم مداخلة بعنوان: «الغناء وآلياته في تراث عبيدات الرما". وتساءل نصراوي في مداخلته عن الغناء الشعبي باعتباره جسراً يضم مكونات متعددة، تقوم أساساً على إيقاعات نقرية بسيطة، غير أن هذه البساطة تمنحها دلالات عميقة تمس جوهر الأغنية التراثية. كما استحضر صوراً من الحياة اليومية، مثل رقصات العصافير، وعالم الفلاح وغيرهما، باعتبارها عناصر حاضرة في أغاني عبيدات الرما.
وأوضح نفس المحاضر أن هذا الفن يشكل موروثاً ثقافياً مغربياً غنياً، يتنوع على مستوى المقام والمقال، ويتحول إلى أغانٍ تؤدي وظائف فنية وجمالية، سواء من حيث النغمة أو الإيقاع، مشيرا إلى أن معجمه اللغوي يستمد جذوره من عمق البادية، ممزوجاً بلهجات أمازيغية، خاصة في مناطق خنيفرة وتادلة وخميسات، مما يعكس تنوع وغنى هذا التراث الشعبي.
أما حسن أبدوح، أستاذ التعليم العالي بالمؤسسة نفسها، فقد قدم مداخلة بعنوان: «القيم في تراث عبيدات الرما"، حيث تناول في عرضه محور القيم الإنسانية التي يزخر بها هذا الفن، مبرزاً تقاطعها مع ما جاء في مداخلة الشرقي نصراوي، خاصة من حيث البعد الإنساني والحضاري للمنطوق الفني.
واعتبر أن فن عبيدات الرما يعكس رؤية فكرية متكاملة للعالم، مستحضراً في هذا السياق مقولة فلسفية منسوبة إلى الهنود الحمر: “إذا كانت هذه أرضك، فأين قصتك؟”، في إشارة إلى ارتباط الإنسان بأرضه وذاكرته.
كما أبرز المحاضر أن هذا الفن يشكل توثيقاً شفوياً لتفاصيل الحياة اليومية، وحاملاً لذاكرة جماعية وهوية متجذرة، من خلال حكايات شعبية تختزن تراثاً إنسانياً غنياً، يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
واعتبر أن الثقافة الشعبية، من خلال عبيدات الرما، تمثل تعبيراً صادقاً عن القيم الإنسانية، وتسهم في إعادة بناء الوعي الحضاري والإنساني، معززةً صلة الأجيال بجذورها. وفي ختام مداخلته، دعا أبدوح إلى ضرورة توثيق هذا التراث في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن حفظه وصيانته لفائدة الأجيال القادمة.
أما عبد الرزاق خالدي، أستاذ باحث بالكلية متعددة التخصصات بخريبكة، فقد قدم عرضاً بعنوان: «المقاومة في تراث عبيدات الرما»، مسلطاً الضوء على الأبعاد التاريخية والرمزية لهذا الفن الشعبي. وأوضح الخالدي أن عبيدات الرما يشكل تراثاً شعبياً يسهم في إعادة تشكيل الوعي الجماعي، من خلال خطاب رمزي يعبر عن قيم المقاومة والصمود، خاصة في مناطق وادي زم وخريبكة. واعتبره شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية والفنية التي واكبت فترات الاستعمار، حيث لعبت الأهازيج والرقصات واللباس أدواراً دلالية في الحفاظ على الهوية وعدم طمسها.
كما أبرز أن الحركات الجماعية والرقصات كانت ترمز إلى الوحدة والتضامن في مواجهة الظلم، فيما حملت الإيقاعات والكلمات معاني عميقة مرتبطة بروح “العيطة” كصيغة تعبيرية نضالية. وأضاف أن هذا الفن يمثل سجلاً حياً لذاكرة الكفاح، يوثق لمراحل من النضال عبر نصوص وأغانٍ تختزل رمزية المقاومة والاحتفاء بقيم الصمود.
في ختام الندوة، تقدم المدير الإقليمي للثقافة، الفنان الحسين الهوفي، بمداخلة أشاد فيها بالقيمة العلمية والمعرفية لمداخلات الأساتذة، مستعرضاً أبرز الأفكار التي تم تداولها خلال هذا اللقاء العلمي. ووقف بشكل خاص عند مقترح إحداث متحف خاص بفن عبيدات الرما، باعتباره خطوة نوعية نحو صون هذا التراث وتثمينه، منوهاً بأهمية تجميع هذه المداخلات وتوثيقها لفائدة الطلبة والباحثين.
واختُتمت الندوة بفتح باب النقاش، حيث تفاعل الحضور مع مختلف القضايا المطروحة في أجواء علمية راقية، أعادت الاعتبار لفن عبيدات الرما كتراث أصيل ومتميز، يكرّس روح الهوية ويعزز ارتباط الأجيال الصاعدة بجذورها الثقافية.
وتتواصل فعاليات هذا الموعد الثقافي، الذي تنظمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، بشراكة مع عمالة إقليم خريبكة، والمديرية العامة للجماعات الترابية بوزارة الداخلية، إلى جانب المجالس المحلية، وبدعم من المجمع الشريف للفوسفاط، عبر برمجة غنية ومتنوعة. وتبقى السهرات الفنية اليومية، التي تحتضنها مختلف فضاءات الإقليم، من أبرز محطاته، لما تشكله من لحظات احتفاء جماعي بفن عبيدات الرما، وتثمين لهذا التراث الأصيل الذي يواصل إشعاعه وترسيخ حضوره في الذاكرة الثقافية.