سعيد التمسماني: بريطانيا تُحكم بوصلتها: واقعية سياسية تدفع نحو حلّ الصحراء

سعيد التمسماني: بريطانيا تُحكم بوصلتها: واقعية سياسية تدفع نحو حلّ الصحراء سعيد التمسماني

في لحظة دولية تتسم بتعقيد الأزمات وتداخل المصالح، لا تبدو المواقف الدبلوماسية الكبرى مجرد بيانات عابرة، بل إشارات دقيقة تعكس تحولات أعمق في ميزان الرؤية الاستراتيجية. من هذا المنظور، يكتسي تجديد المملكة المتحدة دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي دلالة تتجاوز المجاملة السياسية إلى تثبيت قناعة متنامية داخل العواصم المؤثرة بجدوى هذا الخيار.

 

تصريح وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عقب مباحثاتها مع ناصر بوريطة في لندن، لم يأتِ في فراغ، بل يندرج ضمن مسار متدرج من التقارب في تقييم النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. حين تصف لندن المقترح المغربي بأنه “الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية”، فهي عملياً تنتقل من موقع المراقب الحذر إلى شريك في بلورة تصور الحل.

 

هذا التحول يعكس، في جوهره، انتصاراً لمقاربة سياسية اعتمدها المغرب منذ سنوات، قائمة على الواقعية بدل الشعارات، وعلى تقديم بدائل مؤسساتية قابلة للتنفيذ بدل الارتهان لمنطق الجمود. كما ينسجم مع دينامية دولية باتت تُفضل الحلول الممكنة على الطروحات المثالية التي أثبتت محدوديتها في سياق نزاعات مماثلة.

 

ولعل اللافت في الموقف البريطاني أنه لا يقتصر على الدعم النظري، بل يتقاطع مع دعوة صريحة لتسريع المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يعكس إدراكاً متزايداً لضرورة إنهاء حالة الانتظار التي طال أمدها. فالدبلوماسية اليوم لم تعد تقيس نجاحها بمدى التمسك بالمواقف التقليدية، بل بقدرتها على الدفع نحو حلول واقعية ومستدامة.

 

في السياق ذاته، تبرز متانة العلاقات المغربية البريطانية كعامل مفسر لهذا التقارب في الرؤى. فالشراكة بين الرباط ولندن لم تعد محصورة في الإطار السياسي، بل امتدت إلى رهانات اقتصادية واستراتيجية واعدة، لعل أبرزها الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، وما يفتحه ذلك من آفاق تعاون متعددة الأبعاد.

 

إن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن إعادة تشكيل تدريجية لمواقف القوى الدولية من هذا النزاع، حيث يتعزز الاعتراف الضمني بأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل أرضية توازن بين احترام السيادة وضمان تدبير محلي موسع. وهو ما يمنحها قوة اقتراحية متزايدة داخل المنتظم الدولي.

 

في المحصلة، لا يمثل الموقف البريطاني مجرد دعم إضافي للمغرب، بل يعكس تحوّلاً نوعياً في طريقة مقاربة الملف على الساحة الدولية: من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن تسويته. وبين الواقعية السياسية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، يبدو أن كفة الحلول العملية بدأت تميل بوضوح.