الذين يصرخون بالتدنيس، فهم يخلطون كل شيء: يخلطون بين الأرض والرمز، بين التراب والتعالي، بين الهوية والخوف
أحيانًا تكفي لحظة صغيرة لتكشف عن شروخٍ هائلة في زمنٍ ما: بضعة رجال، واقفون بخشوع أمام جدار في مراكش، يهمسون بصلاةٍ خافتة، وفجأة تنفجر العاصفة الرقمية، والريبة، والغضب المفتعل، وكأن هذا الفعل العتيق يحمل في طيّاته تهديدًا خفيًا. ماذا رأينا حقًا؟ مؤمنين يهودًا حسيديين، أوفياء لطقسٍ دينيٍّ ضاربٍ في القدم، توقفوا لأداء الصلاة في وقتها المحدد. لا موكب، لا استعراض، لا استحواذ على الفضاء العام. مجرد وقفة. لحظة معلّقة. حوار حميم مع الإله. ومع ذلك، في صدى الانفعالات المعاصرة المشوّه، تتحول هذه اللحظة إلى فضيحة، إلى استفزاز، بل إلى محاولة احتلال في ذروة العبث.
ثمة تناقض يجب تسميته دون مواربة. حين يصلّي المسلمون يوم الجمعة أو خلال رمضان في الشوارع، ويمتدون أحيانًا إلى الفضاء العام، لا يكاد أحد يعترض: يُقال إنها عبادة، تقليد، اندفاع جماعي لجماعة تتوحد. وهذا صحيح.
لكن بأي منطقٍ أعوج نمنع مؤمنين آخرين من حقهم في خشوعٍ هادئ، دون إزعاج أو إخلال بالنظام العام؟ منذ متى أصبحت الروحانية خاضعة لنظام ترخيصٍ ضمني يُمنح للبعض ويُحجب عن البعض الآخر؟ منذ متى ينبغي للإيمان أن يتخفّى كي يُتسامح معه؟
المغرب، في عمقه التاريخي، كان دائمًا أكبر من هذا المسرح الضيق للتوترات الهوياتية. هو أرضٌ تتراكم فيها طبقات الحضارات دون أن تُلغي إحداها الأخرى، حيث تعايش أذان المؤذّن طويلًا مع تراتيل المعابد، وحيث لم تكن الملاحات جيوبًا غريبة، بل أجزاءً مكوّنة من المدينة. اختزال هذا التاريخ في قراءةٍ مرتابة للحاضر هو خيانةٌ لما نحن عليه.
ويجب التذكير هنا بحقيقة قانونية ورمزية أساسية: إن العاهل المغربي، محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، ليس فقط ضامنًا للإسلام، بل أيضًا ضامنًا لحرية العبادة بكل تنوعاتها. هذه الوظيفة، المتجذرة في تقليد سياسي وروحي فريد، لا تميّز بين الضمائر. إنها تحمي وتؤطّر وتضمن ألا تتحول العقيدة، أيًّا كانت، إلى ذريعة للإقصاء أو الاضطهاد. تلك هي الخصوصية المغربية: سلطة دينية تؤسس للوحدة دون أن تسحق التعدد.
أما الذين يصرخون بالتدنيس، فهم يخلطون كل شيء: يخلطون بين الأرض والرمز، بين التراب والتعالي، بين الهوية والخوف. يسقطون على فعلٍ تعبديٍّ بسيط أوهامًا جيوسياسية لا مكان لها فيه. الصلاة ليست احتلالًا. والخشوع ليس غزوًا. وتحويل كل تعبير ديني إلى تهديد هو علامة على قلقٍ غير متحكَّم فيه، لا على يقظةٍ واعية.
ما هو على المحك، في العمق، يتجاوز هذه الواقعة بكثير. إنه قدرتنا الجماعية على أن نظل أوفياء لما نزعم أننا عليه. أمة واثقة من نفسها لا تخشى صلاةً هامسة. مجتمعٌ متوازن لا يرى في كل اختلافٍ اقتحامًا.
العيش المشترك ليس شعارًا سياحيًا، بل هو انضباطٌ أخلاقي صعب، وجهدٌ دائم لعدم السقوط في سهولة الإقصاء.
لقد آن الأوان لقول الأمور بوضوح: إن منع اليهود من الصلاة بهدوء في زاوية من سور مغربي هو إنكارٌ لجزءٍ من تاريخنا. هو نسيانٌ أن اليهودية المغربية ليست حضورًا غريبًا، بل ذاكرة متجذرة ومكوّنًا من هويتنا الوطنية. وهو، في نهاية المطاف، إفقارٌ للمغرب.
نعم، يجب وضع حدٍّ لهذا الهذيان. يجب استعادة التوازن، والكرامة، وحسّ التناسب. يجب التذكير بأن الإيمان، أيًّا كان، حين يُمارَس في احترام الآخرين، لا ينبغي أن يكون مشكلة، بل هو ثراءٌ صامت، ونفَسٌ داخلي لا ينتقص من أحد، ويذكّرنا أحيانًا بأننا نتقاسم جميعًا، رغم اختلافاتنا، بحثًا واحدًا عن المعنى.
وفي زمنٍ يغمره الضجيج والخوف، قد يكون في ترك إنسانٍ يصلّي بسلام شيءٌ عميق الطمأنينة… وشيءٌ عميق المغرب.