أنور الشرقاوي: طاولة من الفورميكا ومقص

أنور الشرقاوي: طاولة من الفورميكا ومقص أنور الشرقاوي

في المقهى الشعبي كان الضوء خافتًا، متعبًا، كأنه لا يجد في هذا المكان ما يستحق أن يستقر عليه.

الطاولات من الفورمايكا البسيطة تعكس ظلالًا باهتة لأجساد عابرة، والنادل يضع فناجين القهوة دون أن ينظر إلى الوجوه، كأن الخدمة هنا ليست فعلًا إنسانيًا بل حركة ميكانيكية لا روح فيها. 
تسعة دراهم لفنجان قهوة سوداء خفيفة… ثمن زهيد لشيء يبدو كأنه آخر ما تبقى من طقس يومي فقد معناه.

كنت جالسًا هناك، لا لشيء، إلا لأن الجلوس في حد ذاته أحيانًا يصبح عادة بلا تفسير.

ثم دخل هو.
لم يطلب إذنًا، ولم يبحث عن نظرة ترحيب. جلس إلى الطاولة المجاورة لي ببطء غريب، كأنه يحتل مكانًا كان معدًّا له منذ زمن في عالم آخر لا أراه. شاب نسبيًا، بملامح عادية، لكن في وجهه شيء غير مكتمل، شيء كأنه يتكلم من داخله باستمرار.

أشعل سيجارة شقراء، وما إن أخذ نفسًا منها حتى بدأت شفاهه تتحرك.

في البداية ظننت أنه يتمتم لنفسه. لكن لا… كان يجيب. كان يصغي أيضًا، كأن أحدًا غير مرئي يحدثه من داخل رأسه. 
صمته لم يكن فراغًا، بل كان جزءًا من حوار مستمر لا يُسمع.

ثم رأيت المقص.
صغير الحجم، بسيط، موضوع أمامه بعناية مقلقة، كأنه ليس أداة بل علامة. لم يكن يخفيه، ولم يكن يستعرضه. كان فقط هناك… كحقيقة صامتة.

قلت لنفسي: إنه غير مؤذٍ.

لكن الفكرة الثانية جاءت أسرع من الأولى، كأنها لم تمر عبر العقل بل تسللت مباشرة إلى الأعصاب:
وماذا لو لم يكن كذلك؟

لم أعد أستطيع النظر إلى قهوتي. الطعم فقد معناه. الدفء فقد معناه. حتى الملعقة الصغيرة التي كنت أحركها بدت كأنها تنتمي إلى عالم بعيد لا علاقة له بهذا القلق الذي بدأ يتسرب داخلي.

إلى جانبي، كان هو ما يزال يتحدث مع ذلك “الآخر” غير المرئي. أحيانًا يهز رأسه، أحيانًا يتوقف لحظة كأنه يستمع لسلطة أعلى منه، ثم يبتسم ابتسامة قصيرة لم تكن موجهة لها.

وفجأة، دون مقدمات، بدأت صورة واحدة تفرض نفسها عليّ بقوة مزعجة: المقص في يده، حركة خاطفة، وجهي، عيني…

توقفت عند هذه النقطة، كأن التفكير نفسه أصبح خطيئة.

لم أعد أعرف: أهو هو من يهددني؟ أم أن الخطر يولد داخلي أنا؟

وهنا بالضبط، حدث الشيء الأخطر: لم أعد أميز بين الواقع واحتماله.

في الخارج، كان المقهى يستمر كعادته. ضحكات، أصوات أكواب، نداءات على النادل. الحياة تمضي كأن شيئًا لم يكن.

أما أنا، فقد بدأت أعيش داخل احتمال واحد فقط: أن يحدث شيء ما.

شيء بسيط، صغير، لكنه كافٍ ليقلب كل شيء.

لم يكن ينظر إليّ.
ومع ذلك، شعرت أنه يراني من مكان لا علاقة له بالعينين.

ثم تحركت يده نحو المقص.
ببطء شديد، كأن الزمن نفسه أصبح أثقل فجأة، كأن كل ثانية تحتاج إلى تبرير كي تمر.

وفي تلك اللحظة، لم يعد المقص مجرد أداة.
بل أصبح سؤالًا وجوديًا مفتوحًا على كل الاحتمالات… وعلى كل الرعب الممكن.