المصطفى تكاني (يسارا) والراحل عبد النبي دشين
مررت أمس الثلاثاء 21 أبريل 2026 أمام " مقهى موريطانيا " جوار مكتبة دار الثقافة بالأحباس بالدار البيضاء ، فوجدت مكان الأستاذ الأريب سي عبد النبي دشين في مقعده فارغا ، وكأنه يقول لأصدقائه ورفاقه " لا أحد ينتظرني " . فعلا لم أعثر عن أحد من رفاقنـا ينتظره في مجلسه بين أخلانه ، لقد كان ينام في سرير مرضه ينتظره أجله صباح يوم الأربعاء 22 أبريل 2026 ؛ فواروه الثرى مساءا بمقبرة سيدي مسعود بالدار البيضاء عن عمر يناهز 67 سنة بعد معاناته مع المرض .
كتب آخر مجموعته القصصية : " لا أحد ينتظرني " سنة 2025 ، مزج فيها بين الحكي و" الشعرية " ، مزج في مساره الثري بين الأدب والسينما ، فكان فعـــلا نموذجا للمبدع المتميز ، والناقد الفريد بشعريته في قراءاته النقدية ؛ سواء في مجال الأدب أو السينما . عرفت عنه حضوره الوازن في تسيير اللقاءات الأدبية ، والندوات الثقافية عامة، وتقديمه للأعمال الأدبية خاصة ؛ بلباقته المعهودة الفـذة ، وتدخلاته الأنيقة ، يديرها في كل لقاء عشناه معه ؛ بإيمان قوي آثر الإبداع وفنيته عن حاضريه . أقول له " كل أصدقائك ينتظرونك " بين ردحات المكتبات في الدار البيضاء عامة ، والحبوس خاصة ، ينتظره رفاقه وأحباؤه على طاولته ومقعده الموسوم بمقهى موريطانيا أمام دار الثقافة .
مذ عرفت الأديب القاص المبدع ، والأستاذ المربي الأريب ؛ لسنوات خلت أزيد من ثلاثين سنة ؛ عشت معه هذه الحركية أستــاذا ومفتشــا ، صعُـب علي خــلال فترات التقائي به التمييز بين رقة أدبه ، ونبل أخلاقه ؛ بين مرجعياته التربوية الرصينة ؛ أستاذا بإعدادية 2 مارس بالدار البيضاء ، وثانوية الخنساء ، وأستاذا مؤطرا بالمركز التربوي الجهوي / درب غلف ، ومفتشا تربويا بجهة الدار البيضاء الكبرى ، فكان فعلا عضوا متميزا بين أعضاء الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي لأمد طويل بنضاله التربوي ؛ فترك بصماته بين رفاقه في العمل التربوي.
حركية عشناها مع فقيدنا الأستاذ سي عبد النبي دشين بين مواقفه الثقافية مبدعا في المجال القصصي ، كاتبا وناقدا ؛ أخلص للقصة القصيرة خاصة ؛ والأدب العربي عامة ؛ مازجا بين أقرانه المبدعين ؛ سواء في الفن الروائي أو النقدي وبين الفن السينمائي مع تجربته المسرحية .
حين أصدر أول مجموعته القصصية سنة 1995 " رائحة الورس " فاحت رائحته ؛ رغم أن ما يقال عن هذا النبات العشبي لا يفوح عبيره ، وهو الذي يعمر ما يقارب 20 سنة بين النباتات بخصائصه الجمالية الفريدة ، وجمالها الجذابة ، وبلونها البرتقالي ( فهو من الفصيلة الزنجبيلية ( CURCUMA ) ؛ لكن حين نعاشر الأستاذ سي عبد النبي دشين كأنه بيننا برائحة قوية ، في أقواله وكتاباته ؛ فكان كـ " الورس " فعلا نبات فريد له استعمالات كثيرة ، وفضائل جلى .
قال عنه أصدقاؤه القول الجميل ، قال عنه الأستاذ محمد عرش الكاتب الشاعر : هو النموذج الإنساني الطيب الوديع الذي لا يخجل في الحديث عن الأدب الرفيع . وقال عنه الكاتب الشاعر سي محمد فرح أنه فعلا قاص وناقد تربوي بامتياز للقصة والرواية والسينما ، ونقل الأستاذ سي محمد صوف عن فقيدنا سي عبد النبي دشين قوله عن الكتابة وعمله " إما أن يكون محبوكا أو متروكا " . وصفه صديقه سي حسن النفالي بأنه الإنسان الرقيق المليء في أعماله بالإحساس الفني العميق ، ووصمه الأخ والصديق سي حسن نجمي أن سي دشين شاعر وروائي يوثر الصمت عن الكلام ، متواضع في شخصيته لا يحب الظهور ، لكن مكانته مصونة أدبيا وفكريا ونقديا .
حين تقرأ أعماله الأدبية والتربوية : " شعرية العنف " ( نقد سنة 1999 ) ، و" استراتيجيات تنمية القراءة " ( 2020 )، و" الكتابة والحياة قراءة في السينما والأدب " ( سنة 2022 ) ، تحس أنه رجل مهووس بالثقافة إلى النخاع في لقاءاته ، في كتاباته ، في حياته مع أصدقائه وزملائه . هكذا عرفته وعشت معه خلال لقاءاتي به . أطلب من الله عز وجل أن يتغمده برحمته ومغفرته ، لقد فقدنا فيه أديبا متميزا ، ورجلا نبيلا صادقا ؛ كما عرفه أترابه وكل من جايلوه في دروب عمرنا الثقافي والفني ، وداعا أخي الفاضل وصديقي العزيز سي عبد النبي دشين ، وكل أصدقائك ينتظرون دعوات الرحمة والمغفرة لكم في كل آن ومكان .