حبيل رشيد
لا شك أن قراءة المادة الأولى من مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد تفتح أفقاً تحليلياً واسعاً لفهم التحول العميق الذي يطبع فلسفة العدالة الجنائية بالمغرب، حيث إن المشرع لم يكتف بإعادة إنتاج نفس القواعد التقليدية المرتبطة بقرينة البراءة، وإنما اتجه، بوضوح، نحو بناء تصور أكثر شمولاً واتساعاً لمفهوم المحاكمة العادلة، تصور يقوم على التوازن بين مختلف الفاعلين في الدعوى الجنائية، وعلى ترسيخ ضمانات إجرائية وموضوعية تتجاوز ما كان مقرراً في النص السابق.
ومن الثابت أن المادة الأولى في صيغتها القديمة كانت تركز بشكل أساسي على مبدأ قرينة البراءة، إذ نصت على أن كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، مع التأكيد على قاعدة تفسير الشك لفائدة المتهم. وبالتالي، فإن جوهر النص القديم كان ينحصر في ضمانة مركزية واحدة، وهي قرينة البراءة، باعتبارها حجر الزاوية في العدالة الجنائية.
غير أن المادة الجديدة جاءت، دون ريب، محملة بتحول نوعي، حيث توسعت بشكل لافت في تعداد الضمانات، ولم تعد المحاكمة العادلة مفهوماً مجرداً أو مقتصراً على نتيجة الحكم، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تمتد عبر مختلف مراحل الدعوى، من لحظة الاشتباه إلى ما بعد صدور الحكم… وهذا ما يتضح من خلال استحضار مجموعة من المبادئ التي لم تكن منصوصاً عليها صراحة في المادة القديمة.
أول ما يستوقف الباحث في النص الجديد هو التنصيص الصريح على مبدأ المساواة أمام القانون، حيث أكد المشرع أن “كل الأشخاص متساوون أمام القانون ويحاكمون في أجل معقول من قبل محكمة مشكلة طبقاً للقانون”، وهو مقتضى يكتسي أهمية بالغة، إذ إن العدالة لا تتحقق فقط بضمان حقوق الدفاع، وإنما أيضاً بضمان عدم التمييز بين المتقاضين، سواء من حيث الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو النفوذ… وبالتالي، فإن هذا التنصيص يكرس بعداً دستورياً واضحاً، يتماشى مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان.
ومن ثم، فإن إضافة عنصر “الأجل المعقول” يشكل تطوراً جوهرياً، لأن العدالة المتأخرة تفقد قيمتها، بل قد تتحول إلى نوع من الإجحاف المقنع. فكم من متهم ظل رهن الاعتقال الاحتياطي لسنوات طويلة قبل أن يصدر حكم ببراءته… وكم من ضحية انتظرت زمناً طويلاً دون أن ترى قضيتها تحسم. لذلك، فإن إلزام القضاء بالبت في القضايا داخل أجل معقول يندرج ضمن ضمانات المحاكمة العادلة ذات البعد الزمني، التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين سرعة البت وجودة الأحكام.
علاوة على ذلك، فإن النص الجديد لم يعد يقتصر على حماية المتهم فقط، كما كان الأمر في السابق، وإنما وسع دائرة الحماية لتشمل الضحايا، والمشتبه فيهم، والمتهمين، والمحكوم عليهم، إضافة إلى فئات أخرى غالباً ما كانت مهمشة في النصوص القانونية، مثل الشهود والخبراء والمبلغين. وهذا التحول يعكس انتقالاً من تصور “عدالة المتهم” إلى “عدالة شاملة” تراعي جميع الأطراف، حيث إن الدعوى الجنائية لم تعد صراعاً ثنائياً بين النيابة العامة والمتهم، وإنما أصبحت منظومة متعددة الأبعاد تتداخل فيها مصالح متباينة.
ولعل هذا التوجه يجد مبرره في الواقع العملي، إذ إن حماية الشهود، على سبيل المثال، أصبحت ضرورة ملحة في القضايا الجنائية المعقدة، خاصة تلك المرتبطة بالجريمة المنظمة أو الفساد، حيث قد يتعرض الشاهد لضغوط أو تهديدات تؤثر على شهادته… وبالتالي، فإن التنصيص على حمايته يعزز مصداقية العدالة ويشجع على التبليغ.
إضافة إلى ذلك، فإن المادة الجديدة شددت على مبدأ الشرعية الإجرائية، حين أكدت أنه “لا يمكن اتخاذ أي تدبير أو إجراء مقيد أو سالب لحرية الأشخاص إلا بمقتضى القانون وتحت مراقبة السلطة القضائية المختصة”، وهو مقتضى يكرس رقابة القضاء على جميع الإجراءات التي تمس الحرية الفردية، بما في ذلك الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي… الأمر الذي يحد من تعسف السلطات ويضمن احترام حقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار مثال واقعي يتعلق بحالات الاعتقال التعسفي، حيث قد يتم توقيف شخص بناء على شبهة ضعيفة، دون احترام الضوابط القانونية، وهو ما كان يثير جدلاً كبيراً في السابق… أما في ظل النص الجديد، فإن أي إخلال بهذه الضوابط قد يؤدي إلى بطلان الإجراء، مما يعزز حماية الأفراد من التعسف.
ومن جهة أخرى، حافظت المادة الجديدة على مبدأ قرينة البراءة، لكنها أعادت صياغته ضمن سياق أوسع، حيث ربطته بشكل صريح بضرورة صدور مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. وهذا التأكيد يعكس استمرارية المشرع في تبني هذا المبدأ كقاعدة أساسية، مع إدماجه ضمن منظومة متكاملة من الضمانات.
كما أن الإبقاء على قاعدة “تفسير الشك لفائدة المتهم” يبرز حرص المشرع على حماية الحرية الفردية، إذ إن هذه القاعدة تشكل صمام أمان ضد الأخطاء القضائية، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأدلة غير كافية أو متناقضة… وهو ما ينسجم مع مبدأ “درء الشبهات” في الفقه الجنائي.
وبالمقارنة بين النصين، يتضح أن الفرق الجوهري يكمن في أن المادة القديمة كانت ذات طابع اختزالي، تركز على مبدأ واحد مع بعض الامتدادات، بينما جاءت المادة الجديدة ذات طابع تركيبي، تجمع بين عدة مبادئ: المساواة، الأجل المعقول، شرعية الإجراءات، حماية مختلف الأطراف، قرينة البراءة، وتفسير الشك… وبالتالي، فإنها تعكس نضجاً تشريعياً واضحاً.
ومن الناحية التطبيقية، يمكن تصور حالة شخصين متابعين من أجل نفس الجريمة، أحدهما ينتمي إلى طبقة ميسورة، والآخر إلى طبقة فقيرة… في ظل النص القديم، لم يكن هناك تنصيص صريح يفرض معاملة متساوية، رغم أن ذلك كان مفهوماً ضمنياً… أما في النص الجديد، فإن المساواة أصبحت قاعدة صريحة، مما يفرض على القضاء التعامل معهما بنفس المعايير، دون تأثير للعوامل الاجتماعية.
كما يمكن استحضار مثال يتعلق بتأخر البت في القضايا، حيث كانت بعض الملفات تبقى معروضة أمام القضاء لسنوات طويلة… وهو ما كان يضر بمصالح جميع الأطراف… أما اليوم، فإن مبدأ الأجل المعقول يفرض نوعاً من الانضباط الزمني، ويتيح للمتقاضين إمكانية التمسك بهذا الحق.
ومن ثم، فإن هذا التطور التشريعي يعكس إرادة واضحة في ملاءمة القانون الوطني مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، كما هو منصوص عليها في المواثيق الدولية، حيث إن هذه الأخيرة تؤكد على نفس المبادئ: المساواة، الأجل المعقول، استقلال القضاء، حقوق الدفاع، وقرينة البراءة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المادة الأولى من مشروع قانون المسطرة الجنائية تمثل نقلة نوعية في تكريس ضمانات المحاكمة العادلة، إذ انتقلت من مقاربة جزئية إلى مقاربة شمولية، ومن تركيز على المتهم إلى مراعاة جميع الأطراف، ومن غموض ضمني إلى وضوح صريح… وهو ما من شأنه، إذا تم تفعيله بشكل سليم، أن يعزز الثقة في العدالة ويكرس دولة القانون.
ومن المؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في جودة النصوص، وإنما في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، حيث إن التطبيق العملي هو الذي يمنح لهذه المبادئ قيمتها الحقيقية… لذلك، فإن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بمدى التزام مختلف الفاعلين، من قضاة ومحامين وضابطة قضائية، بروح النص قبل حرفه… إذ إن العدالة، في نهاية المطاف، ليست مجرد قواعد مكتوبة، وإنما ممارسة يومية تتجسد في سلوك المؤسسات والأفراد…