صورة طبيب الأعصاب ذو الشارب الرفيع والابتسامة المشاكسة والمطمئنة

صورة طبيب الأعصاب ذو الشارب الرفيع والابتسامة المشاكسة والمطمئنة الراحل دكتور زمراگ

هناك ملامح لا يمحوها الزمن، حتى حين تتواطأ الذاكرة الجماعية، بنسيانها المتقلب، على دفع الوجوه إلى هوامش الصمت.

غير أنّ ملامحه هو، ستبقى معلّقة، كعطرٍ قديمٍ يظل يطفو في الهواء، حتى بعد أن تُغلق الأبواب ويخفت الصدى.

ما زلت أراه، عند منعطف أحد شوارع حي أكدال، حيث تتردد المدينة بين حداثةٍ مسرعة وحنينٍ خافت.

كان يمشي بتلك السكينة الوقورة التي لا يكتسبها إلا من عاش حيواتٍ عديدة في حياةٍ واحدة.

وبجانبه زوجته، حضورٌ هادئ لكنه جوهري، كعلامة ترقيم رقيقة في سيرة عمره الطويل.

وعلى رأسه قبعة كاوبوي، غريبة في حضورها، لكنها صارت جزءاً منه، كأنها توقيعه الخاص، وتمرّده الهادئ على قوالب المألوف.

أما شاربه الصغير، المرسوم بعناية، فكان يبدو كأنه يحمل وحده فلسفة حياة كاملة؛ حيث لا تُعلن الأناقة عن نفسها، بل تُحَسّ وتُفهم دون كلام.

وأما ابتسامته، فلم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل كانت طريقة في الوجود ذاته؛ إجابة هادئة على صخب العالم، ودعوة صامتة إلى الطمأنينة والثقة.

كان ينتمي إلى ذلك الجيل الريادي من أطباء الأعصاب المغاربة، أولئك الذين شقّوا طريقهم في ممرات مستشفى التخصصات التابع للمركز الاستشفائي الجامعي بالرباط، فأسّسوا علماً ناشئاً بالصبر والدقة، كما تُبنى بيوت الله عن  معرفةٍ وتفانٍ.

ثم، وفاءً لفلسفة طبٍ أقرب إلى الإنسان، اختار أن يغادر نحو الممارسة الحرة، لا كابتعاد، بل كامتداد آخر للمسؤولية.

لأن العلم عنده لم يكن يُحتجز، بل يُمنح.

وفي العمل الجمعوي، كرّس جزءاً من جهده، رفقة زميله البروفيسور الوزاني، لإنارة المساحات المعتمة حول داء الصرع، ذلك المرض الذي طالما أُسيء فهمه، وأثقلته الأحكام المسبقة والخوف.

كان يتحدث، يشرح، يطمئن.
وفي كل كلمة كان يُعيد للآخر شيئاً من كرامته المهدورة.

لكن الرجل لم يكتفِ باستكشاف دهاليز الدماغ البشري.
بل ذاق أيضاً دوّامة الشأن العام، حين خاض غمار السياسة، حيث تتصادم القناعات مع الواقع، ويُختبر الحلم على صخور السلطة.

فكان نائباً برلمانياً لمرحلة، عرف فيها أضواءها وظلالها، دون أن يفقد ميزانه الداخلي الذي يفرّق بين رجل الدولة وعابر اللحظة.

واليوم، بينما يمضي الزمن في مساره الذي لا يرحم، تبقى لنا صورته: رجلٌ واقف، متفرّد، وفيّ لذاته، يعبر الأزمنة دون أن يتخلى عن أناقته أو عن إنسانيته.

أيها الزميل العزيز،
إن كانت الذاكرة شكلاً من أشكال البقاء، فأنت لم ترحل.
ما زلت تقيم بين هذه الأزقة، وهذه النظرات، وهذه الذكريات المعلّقة بين لحظتين.
وربما هناك، في علوٍّ لا تحدّه جهة، تمشي الآن أيضاً، قبعتك مائلة قليلاً، وابتسامتك لا تفارقك، كأنك تذكّرنا أن بعض الحضور لا ينطفئ أبداً.
نم قرير العين يا دكتور زمراگ.

 

 الدكتور أنور الشرقاوي 
خبير في التواصل الطبي والإعلام  الصحي