إبراهيم كريدية: التّْبَوْرِيدَةْ وثيقة تاريخية بامتياز تخفي كثيرا من الدّلالات والرُّموز والقيَّم

إبراهيم كريدية: التّْبَوْرِيدَةْ وثيقة تاريخية بامتياز تخفي كثيرا من الدّلالات والرُّموز والقيَّم المؤرخ والباحث الأستاذ إبراهيم كريدية

في مداخلة قيّمة تناول فيها بالدّرس والتحليل، المؤرخ والباحث الأستاذ إبراهيم كريدية ابن حاضرة المحيط مدينة أسفي، في موضوع عروض التّْبَوْرِيدَةْ التي تشهدها بلادنا خصوصا في فصل الربيع بالموازاة مع عدة تظاهرات ومهرجانات ثقافية وفنية، أكد بأن "التّْبَوْرِيدَةْ وثيقة تاريخية بامتياز، تخفي كثيرا من الدلالات والرموز والقيم".

 

تنوع تظاهرات المغرب الواسع والمتنوع تراثيا وأدبيا وفنيا

في بداية تحليله ومناقشته لموضوع حلقته الثقافية التي قدمها عبر تسجيل فيديو طرحه بمنصة موقع يوتوب، استشهد إبراهيم كريدية بما يعرفه المغرب الواسع المتنوع، خلال فصل الربيع من كل سنة، تنظيم مواسم ومهرجانات وتظاهرات تراثية أدبية وفنية...تعكس موروثنا التاريخي والثقافي، وتُعبّر عمّا وصلت إليه نهضتنا الثقافية خاصة في فنون الشعر، والمسرح والفنون الأخرى.

في سياق متصل استند إبراهيم كريدية في مداخلته القيّمة، على ما توفر له من أرشيف قديم لمجموعة من الصُّور النّادرة، ذات الصلة بـ "الفروسية التقليدية". حيث ركزَّ على ظاهرة الْمَوَاسِمْ، وما تشهده من عروض "التّْبَوْرِيدَةْ" التي تستقطب إليها جمهورا غفيرا من كل حدب وصوب. متوسلا أن "يُجَلِّي بعض ما تخفيه من دلالات ورموز وقيم".

 

التّْبَوْرِيدَةْ متحف يمتح من الأرشيف العسكري المغربي

وأورد المؤرخ إبراهيم كريدية، في سياق حديثه عن "التّْبَوْرِيدَةْ" بأنها "ليست عرضا فلكلوريا، جماليا، فرجويا، شعبيا، وسياحيا...تنظم في الْمَوَاسِمْ والمناسبات الوطنية، والمهرجانات، وفي بعض الأعياد والأعراس". مؤكدا بقوله على أن التّْبَوْرِيدَةْ هي في حقيقتها وكُنْهِهَا "وثيقة تاريخية وثقافية وأنثروبولوجية". وأضاف موضحا بأنها تمثل بمختلف مكوناتها وملحقاتها "متحف حَيٌّ تذكيري، يمتح ويستقي من الأرشيف العسكري المغربي المتنوع والغني والعريق". واستطرد مؤكدا بأن التبوريدة بصورتها الفرجوية الحالية قد "أصبحت تمثل أيضا تراثا فنيا مغربيا. نجح في ترويض العنف العسكري الدّموي الوحشي، وتحويله إلى عرض جمالي قويّ، ومثير، ومستقطب ومُبْهِجٍ".

 

التّْبَوْرِيدَةْ تجسيد بصري للذاكرة العسكرية المغربية

إن عروض التّْبَوْرِيدَةْ تذكرنا، وحتى الماضي القريب، بـ "الْحَرْكَاتْ السُّلطانية، والْقَايْدِيَة، وبالحروب التنافسية القبلية، والحروب الخارجية ضد الغزاة الأجانب" على اعتبار أن الفرسان كانوا يمثلون فيها "القوة الضاربة للجيش السلطاني أو القبلي أو الجهادي" حسب تعبير الأستاذ إبراهيم كريدية الذي وصف عروض التبوريدة بأنها "إحياء وتجسيد بصري تقريبي لجزء من تفاصيل ودقائق هذه الذاكرة العسكرية المغربية".

في تفكيكه وتفسيره لمحاكاة عروض التبوريدة، لمشاهد الحرب الهجومية المباغتة في عدد من تفاصيلها الرئيسية، استحضر الباحث إبراهيم كريدية تطبيق الفرسان خطة الْكَرِّ والْفَرِ. معززا استنتاجه بثلاث مفاتيح وهي:

أولا: تَجمُّع وتَحشُّد الفرسان في صفٍّ واحد، وخطٍّ واحد، والاستعداد للهجوم ومباغتة العدو.

ثانيا: الركض المتناسق والمتراص، ممّا يُعبِّر على الانضباط العسكري، ومعه التحكّم في الخيل والسّلاح من جهة. وعلى التحرك والاندفاع القوي والسريع من جهة ثانية. كفرقة واحدة، أو كتلة واحدة، أو كجسم واحد، يعمل بتلاحمه وتكتّله هذا، على تخويف العدو وإرهابه وإرباكه وسحقه.

ثالثا: إصدار طلقات نارية موحدة، وفي وقت واحد، وكأنها طلقة واحدة، وبدويٍّ قويٍّ يصمُّ الآذان ويرعب. مما يضمن إصابة الهدف وإرعاب وتفريق وهزيمة العدو.

 

عُدَّة ومستلزمات التّْبَوْرِيدَةْ... وثائق تاريخية

في سياق متصل ذَكَّرَ الباحث إبراهيم كريدية بأن التبوريدة "تستخدم ترسانة من الأسلحة والتجهيزات والمرفقات، وهي الأخرى وثائق مادية مازالت حاضرة الاستعمال وإن كانت اليوم تعرض لغرض فرجوي غير حربي". وقال في هذا الصدد "كانت في الماضي سيوف ورماح وخناجر. وابتداء من القرن السابع عشر تحولت إلى بنادق بأشكال متشابهة كانت تحشى بالبارود"

وعن عُدَّةِ ولوازم الخيل، ومستلزمات الفرسان، تحدث إبراهيم كريدية عن "تصميم وزينة السَّرج، وكذلك لوازم الفرس من لجام وغيره" باعتبارها جميعها "نتاج حرف قديمة أصيلة، مازالت تحافظ على استمراريتها وفنية مصنوعاتها" دون أن ينسى تعدد وتنوع "لباس الفارس المتميز، المعبر عن تراث الموطن الذي ينحدر منه الفارس وسربته، أمازيغية كانت أو عربية، جبلية أو سهلية أو صحراوية".

وتحدث في هذا السياق عن "بعض هذه اللوازم ومنها السروج التي صممت بطريقة معينة، حتى تساعد الفارس على الثبات على صهوة/ظهر الفرس، والتحكم فيما يقوم به من حركات/أفعال في وقت واحد. من قيادة للفرس، واستخدام للسلاح، والتحام بالعدو".

 

الفرس... قلب وروح ومركز ومُحَرِّك التّْبَوْرِيدَةْ

وعن عروض تراث فن ورياضة التبوريدة أو ضح بأنها "لا تقوم إلا بوجود الفرس" واصفا الجواد بقوله: "فهو قلبها، إن لم أقل روحها، ومركزيتها ومحركها". حيث عدد صُوَّرَ رمزيته بالتأكيد على أنه "رمز للجمال. الرشاقة والخيلاء والقوة والشجاعة والأنفة، وعزة النفس والهيبة". ولم يفت نفس الباحث أن يكشف على مستوى المعتقد عند المغاربة على اعتبار أن الفرس هو مصدر "الْبَرَكَة والخير، وهو الرفيق الوفي الموثوق في السّفر وفي الحرب، إقداما وانسحابا". موضحا بأنه "لا يمكن تسمية التبوريدة بهذا الإسم والصفة، إذا غاب عنها هذا الحيوان/المخلوق النبيل"، لأنه ببساطة هو "جوهر الوظيفة الفرجوية والاحتفالية والاستقطابية لعروض التبوريدة".

 

التّْبَوْرِيدَةْ...وثيقة صوتية

بالنسبة للباحث إبراهيم كريدية فإن التّْبَوْرِيدَةْ هي "وثيقة صوتية، بما كان ولا يزال يرافقها من أنظام الزّجل، وعْيُوطْ، وأهازيج. كانت في الماضي تمجد وتخلد بطولات الفرسان وتشيد بقيم الشجاعة والتضحية والجهاد". واعتبر فن التّْبَوْرِيدَةْ "سلَّة أو شبكة من الرّموز والقيّم المتجذرة في التاريخ والتراث والثقافة والوجدان المغربي".

 

التّْبَوْرِيدَةْ...هوية ثقافية وتاريخية مغربية أصيلة

وأكد بأن التّْبَوْرِيدَةْ تمثل بالطلقة الواحدة والموحدة "روح الوحدة، والانسجام، والانصهار، والانضباط، والقوة". كما تمثل أيضا "أخلاقيات وقيّم الفروسية، ومعها الارتباط في ثقة وانسجام بالفرس، وهي فوق هذا وذاك تمثل جزء من الهوية الثقافية والتاريخية المغربية"

واستنتج إبراهيم كريدية أن تراث التبوريدة يمثل "ذاكرة تاريخية، وهي لا تخلو من قيم ورموز روحية، لارتباطها قديما بالجهاد. ولارتباطها اليوم بمواسم تعقد بحرم وَلِيٍّ من الأولياء والصلحاء، وفيها تتمازج الفرجة مع التبرُّك والأدعية". ليخلص إلى أن عروض التّْبَوْرِيدَةْ "ملحمة بصرية فرجوية، بامتزاج صهيل الخيل والبارود وصيحات الفرسان، وزغاريد النساء وهتاف الجماهير، فتستحضر مشاهد من بطولات وأمجاد مغربية خلت، تحفل بها كتب التاريخ... وكان لها دور مهم في حفظ هويتنا ووحدتنا وسيادتنا واستقلالنا".