بين جرأة النقد ومصداقية البديل: الاستقلال يرسم معالم الثقة السياسية

بين جرأة النقد ومصداقية البديل: الاستقلال يرسم معالم الثقة السياسية جانب من اللقاء

في لحظة سياسية يطغى عليها الالتباس وتتعاظم فيها انتظارات المواطنين، يبرز خطاب حزب الاستقلال كأحد الأصوات القليلة التي اختارت أن تواجه الواقع دون مواربة، وأن تمارس السياسة بمعناها النبيل: جرأة في التشخيص، ووضوح في الموقف، واستعداد لتحمل المسؤولية. فالكلمة التي قدمها نزار بركة لم تكن مجرد عرض لحصيلة حكومية، بل كانت تمرينا سياسيا راقيا في النقد الذاتي، ورسالة قوية تعيد الاعتبار للمصداقية في الفعل الحزبي.


 

ما يلفت الانتباه في هذا الخطاب ليس فقط اعترافه الصريح بالاختلالات، بل أيضا قدرته على وضع الإصبع على مكامن الخلل البنيوي. حين يشير إلى أن أسعار المحروقات وطنيا تجاوزت نظيرتها دوليا، فهو لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يكشف عن خلل في آليات الضبط، وعن استمرار ثقافة ريعية تستثمر في الأزمات بدل أن تتأثر بها. هذا الوضوح في التشخيص يعكس وعيا سياسيا يتجاوز التبرير إلى مساءلة حقيقية لمنظومة اقتصادية تحتاج إلى إعادة تقويم.


 

وفي نفس السياق، لا يتردد الخطاب في الإقرار بأن جهود محاربة الفساد، رغم تعدد الملفات، لم تترجم بعد إلى أثر ملموس لدى المواطن. هنا تتجلى قوة الطرح الاستقلالي: الاعتراف بحدود الفعل العمومي لا كعلامة ضعف، بل كشرط أولي لاستعادة الثقة، خاصة حين يقترن ذلك بالتأكيد على ضرورة الانتقال من منطق المتابعات إلى منطق الأثر والنتيجة.


 

أما في ملف التشغيل، فيقدم حزب الاستقلال قراءة متوازنة تجمع بين تثمين ما تحقق والكشف عن فجوات الإنجاز. صحيح أن الاستثمارات العمومية بلغت مستويات غير مسبوقة، لكن ضعف انخراط القطاع الخاص يظل الحلقة المفقودة في معادلة النمو. هذا التحليل يعيد طرح سؤال النموذج التنموي من زاوية الفاعلية، ويؤكد أن الرهان الحقيقي ليس في حجم الاستثمار فقط، بل في قدرته على خلق قيمة مضافة وفرص شغل مستدامة.


 

ولعل أكثر ما يعزز مصداقية هذا الخطاب هو اتساع دائرة النقد لتشمل قضايا حساسة، من قبيل تراجع القدرة الشرائية، واستمرار هشاشة الطبقة المتوسطة، وضعف مشاركة المرأة في سوق الشغل. فهنا لا يكتفي الحزب بعرض الأرقام، بل يربطها بسياقات اجتماعية وثقافية، معتبرا أن الإشكال ليس تقنيا فقط، بل يتطلب تحولا عميقا في العقليات والسياسات العمومية.


 

وفي مقابل هذا التشخيص الدقيق، يحرص حزب الاستقلال على تقديم أفق واضح للمرحلة المقبلة. من السيادة الغذائية إلى إصلاح أنظمة التقاعد، ومن تقليص الفوارق المجالية إلى تنزيل مشروع الحكم الذاتي، يتضح أن الحزب لا يشتغل بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الرؤية الاستراتيجية. رؤية تجعل من العدالة الترابية، وتكافؤ الفرص، وتعزيز موقع المغرب إقليميا، ركائز أساسية لبناء “مغرب السرعة الواحدة”.


 

إن قوة موقف حزب الاستقلال اليوم لا تكمن فقط في ما يقوله، بل في الكيفية التي يقوله بها: خطاب يجمع بين الصراحة والمسؤولية، بين النقد والاقتراح، وبين الواقعية والطموح. وفي زمن تتآكل فيه الثقة في العمل السياسي، يبدو أن هذا النهج قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ربط الجسور مع المواطن، وبناء تعاقد سياسي جديد قوامه الوضوح والالتزام.