إدريس الفينة ووزير الفلاحة أحمد البواري
ليس من الصعب أن تنبهر بحجم الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس الذي انطلق مؤخرا. أروقة منظمة، حضور وازن، وفود رسمية، عارضون من داخل المغرب وخارجه، ومواضيع كبرى تُرفع كل سنة في الواجهة تحت عناوين من قبيل الماء، والسيادة الغذائية، والاستدامة، والابتكار. كل شيء يوحي بأننا أمام حدث استثنائي، بل أمام منصة قادرة على ملامسة القضايا الحقيقية التي تشغل الفلاحة المغربية. لكن، ما إن تنتهي أيام الملتقى وتُطوى البلاغات والصور، حتى يعود سؤال بسيط ومزعج في الآن نفسه: ماذا تحقق فعلًا؟.
هذا السؤال ليس تشكيكًا في أهمية الملتقى، ولا تقليلًا من رمزيته أو إشعاعه، وإنما هو سؤال مشروع يفرض نفسه على أي تظاهرة اقتصادية أو قطاعية بلغت هذا الحجم من الحضور والانتظام. فالموعد الذي ينعقد كل سنة تحت شعار جديد لا يكفي أن ينجح في التنظيم أو أن يحشد الزوار ويستقطب العارضين، بل ينبغي أن يكون قادرًا أيضًا على تقديم حصيلة واضحة، تقيس الأثر وتربط بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية.
لقد تحول الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، مع مرور السنوات، إلى واجهة قوية للفلاحة المغربية. وهو، من دون شك، فضاء مهم للتواصل بين الفاعلين، وتبادل الخبرات، وعرض المستجدات، وبناء الشراكات، وفتح النقاش حول تحديات القطاع. كما أنه يمنح المغرب صورة بلد يضع الفلاحة ضمن أولوياته الاستراتيجية، ويبحث عن تموقع إقليمي ودولي داخل هذا المجال الحيوي. كل ذلك صحيح، ولا يمكن إنكاره.
لكن ما لا يقل صحة هو أن النجاح التنظيمي ليس هو نفسه النجاح التنموي. هناك فرق كبير بين حدث ينجح في الاستقطاب، وآخر ينجح في صناعة الأثر. الأول يمكن قياسه بسهولة عبر عدد الزوار، وعدد العارضين، وعدد الدول المشاركة، وعدد الندوات واللقاءات. أما الثاني، فلا يقاس إلا بالسؤال الأكثر أهمية: ما الذي تغير فعلًا بعد نهاية الملتقى؟.
كم من اتفاقية وُقعت في هذه الدورات المتعاقبة؟ وكم منها وجد طريقه إلى التنفيذ؟ كم من فكرة نوقشت داخل القاعات تحولت إلى مشروع على الأرض؟ ما أثر هذه اللقاءات على الفلاح الصغير، وعلى سلاسل الإنتاج، وعلى تثمين المنتوجات المحلية، وعلى تدبير الموارد المائية، وعلى تحسين شروط التنافسية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب أي تقييم جدي، لأنها وحدها القادرة على التمييز بين حدث ناجح في صورته وحدث ناجح في نتائجه.
المشكلة أن ما يصل إلى الرأي العام في الغالب هو الجزء اللامع من المشهد: أرقام الحضور، تنوع المشاركين، زخم المؤتمرات، وقوة التغطية الإعلامية. أما سؤال المردودية الفعلية، فيظل غالبًا مؤجلًا أو غائمًا أو غير مطروح بما يكفي من الوضوح. وهنا يبرز جوهر الإشكال: هل أصبح الملتقى أداة حقيقية لتوجيه الفلاحة المغربية وتقييم اختياراتها، أم أنه في جزء منه تحول إلى موعد سنوي يتجدد شكله أكثر مما يتجدد أثره؟.
ليس المقصود بهذا الطرح تبخيس الجهد المبذول، ولا السقوط في موقف عدمي يرى في كل تظاهرة مجرد واجهة فارغة. فالملتقى يؤدي بلا شك أدوارًا مهمة، اقتصادية ومؤسساتية وتواصلية. لكنه، في المقابل، لا يزال في حاجة إلى شيء أساسي: ثقافة التقييم العمومي. ذلك أن كل شعار يُرفع في دورة من الدورات ينبغي أن يعقبه، بعد شهور، تقرير واضح يقول للناس ماذا تحقق، وماذا تعثر، ولماذا تعثر، ومن يتحمل مسؤولية ذلك.
حين يُطرح موضوع الماء مثلًا، لا يكفي أن نستمع إلى المداخلات ونشاهد الأروقة المخصصة للتقنيات الحديثة، بل يجب أن نعرف لاحقًا ما الذي أضافه الملتقى فعلاً إلى النقاش العمومي والسياسات والممارسات. وحين يُطرح موضوع السيادة الغذائية أو استدامة الإنتاج الحيواني، لا يكفي أن نردد أهمية العنوان، بل يجب أن تظهر مؤشرات دقيقة حول ما تحقق في سلاسل الإنتاج، وفي مواكبة الفلاحين، وفي الاستثمار، وفي التثمين، وفي الأمن الغذائي نفسه.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الملتقى مفيد أم غير مفيد؟ بل: هل هناك تقييم معلن وموضوعي لما ينتجه هذا الملتقى من أثر؟ فإذا كان الجواب غير واضح، فإن التخوف من الروتينية يصبح مشروعًا. لأن الروتينية لا تعني بالضرورة تكرار الأشخاص أو المنتجات فقط، بل قد تعني أيضًا تكرار الخطاب نفسه، وإعادة تدوير العناوين نفسها، من دون أن يصحب ذلك تراكم ملموس في النتائج القابلة للقياس.
إن الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس في حاجة اليوم إلى ما هو أكثر من النجاح البروتوكولي والإعلامي. هو في حاجة إلى شجاعة مؤسساتية تجعل من كل دورة مناسبة للمساءلة بقدر ما هي مناسبة للاحتفال. وعندما يصبح من المعتاد أن نقرأ، بعد كل دورة، تقريرًا واضحًا بالأرقام والمعطيات والنتائج، عندها فقط يمكن أن نطمئن إلى أن الملتقى لا يكتفي بعرض الفلاحة، بل يساهم فعلًا في تطويرها.
أما إلى أن يتحقق ذلك، فسيظل الانطباع قائمًا لدى كثيرين بأن الملتقى ينجح في تقديم صورة قوية عن القطاع، لكنه لا يقدم بالقدر نفسه جوابًا مقنعًا عن سؤال الحصيلة. وبين نجاح العرض وغياب التقييم، يبقى الرهان الأكبر هو أن يتحول هذا الموعد من تظاهرة سنوية لافتة إلى آلية فعلية لإنتاج الأثر وقياسه ومحاسبة المسؤولين عنه