محمد عزيز الوكيلي
كم هي حكيمة هذه العبارة رغم بساطتها، وكم هي معبّرة عن واقع إنساني دراماتيكي ليس له أدنى تفسير غير ما سبق في علم الله بأنه: "كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً" !!
ما يقع الآن في الشرق الأوسط، وفي فلسطين، وبين روسيا وكرواتيا، وما وقع قبل ذلك في سوريا واليمن، وفي العراق، وما ينذر بالوقوع في أي لحظة مقبلة بين الجزائر والمغرب، أو بين الجزائر وجيرانها السُّمْر، وما يجري على مرمى حجر بالساحل والصحراء... كل ذلك سيظل الناس يختلفون حول أسبابه ودوافعه ومَراميه، فتارةً يُرجِعونه إلى التدافع من أجل النفوذ والريادة، وتارة أخرى إلى الصراع من أجل موارد الطاقة والتحكم في أسواقها الإقليمية والجهوية أو العالمية، وتارة ثالثة إلى التسابق من أجل الحفاظ على توازن الرعب بين القوى العظمى، ورابعةً من أجل تصدير المشاكل الداخلية للأنظمة المتصارعة وتلهية مواطنيها عن الانشغال بحقوقهم الأساسية والإلحاح في المطالبة بتحسين وترشيد التدبير السياسي والإداري لشؤونهم العامة !!
بيد أنّ القاسم المشترك بين كل هذه الأطروحات، يبقى هو ذاته ولا يتغير: "ظلم الإنسان وجهله"، الناجمان عن ارتهانه "بواقع الأشياء" دون امتلاك الجرأة على مواجهة "حقيقتها"، لأنه في العادة لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، ولأن الحقيقة بطبعها صادمة، ورادعة، في حين أن الفاعلين في كل ما سلف استعراضه من المهازل يُدمنون الهروب إلى الأمام، لأنهم في غالب الأحيان لا يملكون تلك الجرأة مهما زوّقوا من الخٌطَب ونمّقوا من الشعارات !!
لا أعتقد أن أحداً سيسألني عن سبب الدخول في هذه المتاهة الفلسفية، المحبوكة من أسئلة الواقع الإنساني اليومي، لأن الحال في هذا المجال يُغني عن السؤال، وهو "حال زفت" في مجمل الأحوال !!
غير أنّ الذي ينبغي أن نطرحه جميعاً ونناقشه بما يقتضيه الأمر من القلق والانشغال، هو السؤال عن هذا الصمت الراكد فينا، كدُول ساعية إلى النمو، بإزاء انعكاسات كل هذه الصراعات على أمننا واقتصادنا، وآثارها الوخيمة على معيشنا اليومي، وكأننا ما خُلقنا إلا لنكون مركونين خارج إرادتنا في الجانب "المفعول به" لا "الفاعل"، ولنكون نحن مَن يُسدّد على الدوام فواتير هذا النزق الإنساني، المقيم منذ الحربَيْن الكونيتَيْن في فكر وسلوك الفاعلين فيما يسمى تجاوزاً ب"الدول العظمى"، لأن الفارق بين هذه وغيرها من الدول "غير العظمى" لم يعد ذا قيمة ولا ذا بال، بدليل ما أبدته دولة الفرس من العناد والعنت، بل ومن المكابرة والندّية، في حربها المسترسلة مع جيشَيْن من أعظم وأقوى جيوش المعمور، دونما شديدِ الحاجة إلى حلفاء مُعلَنين ينضمّون إلى خندقها، كما كان يحدث في الحروب التقليدية السابقة !!
نفس هذه الملاحظة يمكن أن نسجلها على الحرب السابقة بين دول مجلس التعاون الخليجي، مدعومة بالطيران المغربي، ضد ميليشيا الحوثيين باليمن، والتي لم يستطع الحلفاء العرب أن يُسكِتوا فيها مدافع وراجمات هؤلاء الأواخر، الذين ما زلنا نشاهد عربدتهم في المنطقة ذاتها، حتى أنهم وجدوا الجرأة على مهاجمة البوارج وحاملات الطائرات أمريكية في عرض البحر المتوسط، عند باب المندب ومضيق هرمز، والغريب أنهم ما زالوا يفعلون إلى حدود الساعة... فأين ذهب مفهوم "الدول العظمى"، في ظل تطوّر التكنولوجيا العسكرية وتَدَفُّق آخر صيحاتها من الأسلحة والتقنيات في كل الاتجاهات وبلا حدود ؟!!
نهايتُه... نحن الآن، في مجموع خرائط الجغرافيا الأرضية بلا أدنى استثناء، سنعاني من انعدام الأمن والأمان، والسلم والسلام، وسنتعب من أجل الحفاظ على سِلْمٍ اجتماعيٍّ صار مُذبذباً وبالغ الاختلال بفعل تقلص الاقتصادات حتى القوية، وتراجع الموارد، ومن جراء الغلاء المتصاعد للمعيشة، وتَحَوُّل المستقبل سواء في أمده القريب أو المتوسط أو البعيد، إلى أسئلة مُصابة بالشلل والعقم لأنها لم تعد تُولّد إجابات مقنعة وشافية... ومن غير المستبعد أن تؤدي هذه التفاقمات إلى مشاكل وصراعات جديدة، أو إلى إحياء أخرى قديمة ودفينة، على امتداد الجغرافيا الأرضية !!
ساعتئذٍ... ربما سنسمع عن زلزلة الأرض، وظهور يأجوج ومأجوج، وانخساف الشمس والقمر، ودُنُوّ الساعة، واقتراب موعد يوم الحشر الأكبر... هذه الظواهر الكونية، القادمة لا محالة، والتي لا أعتقد أن أحداً من هؤلاء الفاعلين في الحروب الدائرة رحاها، وفي الصراعات القائمة على قدم وساق، يستحضرونها أو يلتفتون إليها قبل فوات الأوان، أو يُقيمون لها أدنى وزن وهم في حروبهم وصراعاتهم يعمهون...
لقد صدقت العبارة إذَنْ في العنوان أعلاه، بأن الحيوانات تتفاهم بلا أدنى كلام، وبأننا نحن نتكلم بلا أدنى تفاهم... عجبي !!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.