في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد الهوية معطىً ثابتًا أو يقينًا مطمئنًا كما كانت تُقدَّم في الخطابات التقليدية. لقد تحولت إلى سؤال مفتوح، وإلى تجربة وجودية ملتبسة يعيشها الإنسان المعاصر في علاقته بنفسه وبالعالم. في هذا السياق يأتي كتاب "ملجأ الهويات التائهة… محكيات" للكاتب المغربي الكندي مجيد بلال، مترجمًا إلى العربية، ليضع القارئ أمام تجربة سردية وإنسانية عميقة تستكشف قلق الهوية حين تصبح في حالة عبور دائم.
فقد أعاد الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس والناقد والمترجم سعيد رباعي كتاب "ملجأ الهويات التائهة… محكيات" إلى هويته الأولى بترجمته إلى اللسان العربي، بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج والصادر عن منشورات النورس، هذا الكتاب يبدو أشبه بمختبر إنساني تُفكَّك فيه الأسئلة الكبرى المرتبطة بالانتماء والذاكرة والهجرة والتحول الثقافي. تبدو الشخصيات التي تمر عبر هذه النصوص ليس كذوات فردية، بل مرايا تعكس حالة إنسانية أوسع: حالة الإنسان الذي يجد نفسه معلقًا بين عوالم متعددة، بين وطن يتراجع في الذاكرة ووطن آخر لم يتحول بعد إلى بيت.
من هنا يكتسب العنوان قوته الرمزية. فـ«الملجأ» فضاء وجودي يحتمي فيه الإنسان من عنف العالم ومن ارتباك الانتماء. الملجأ هو اللغة، هو الذاكرة، هو الحكاية التي نحكيها لأنفسنا كي لا نفقد معنى وجودنا. هنا تتحول الحكايات إلى أشكال من المقاومة الهادئة ضد النسيان، ضد الرفض، ضد الهويات المتوحشة واللاحمة، والهويات المنغلقة المتشرنقة حول ذاتها. فكل حكاية هي محاولة لإعادة ترتيب العالم في زمن عدائي وقلق، وإعادة بناء الذات في مواجهة التمزق الذي يخلّفه الترحال القسري أو الاختياري. إنها كتابة تستعيد المعنى الإنساني العميق للسرد بوصفه وسيلة للفهم والتصالح مع الذات.
ما يميز هذه المحكيات أيضًا أنها تبتعد عن الخطابات الجاهزة حول الهجرة أو الهوية. فهي لا تقدم خطابًا سياسويًا مباشرًا، ولا تنخرط في خطاب الضحية التقليدي، بل تذهب إلى ما هو أكثر تعقيدًا: إلى التجربة الإنسانية الدقيقة التي يعيشها الفرد حين يجد نفسه في فضاء ثقافي لم يمنحه ذلك الملجأ الآمن الذي حلم به، وحين يكتشف أن الهوية ليست شيئًا يُمتلك مرة واحدة، بل مسارًا يُعاد تشكيله باستمرار.
إن الشخصيات التي تظهر في هذه المحكيات تحمل أكثر من ذاكرة وأكثر من لغة وأكثر من جغرافيا. إنها هويات مركبة، لكنها في الوقت نفسه هويات خصبة، لأنها قادرة على إعادة اختراع نفسها خارج القوالب المغلقة. بهذا المعنى يمكن قراءة الكتاب بوصفه احتفاءً خفيًا بما يسميه بعض المفكرين "الهوية المتحولة" أو "الهوية الرحّالة".
ومن جهة أخرى، يفتح هذا العمل بابًا للتأمل في معنى السرد نفسه. فالحكاية وجودي. إن الإنسان، منذ أقدم الأزمنة، يحكي كي ينجو: يحكي ليعيد ترتيب ذاكرته، ويحكي ليمنح حياته معنى، ويحكي أيضًا كي يخلق لنفسه مكانًا رمزيًا في العالم. ويحكي ليفلت من التشظي والطرد والرفض.
لذلك يمكن القول إن «ملجأ الهويات التائهة» كتاب عن الشرط الإنساني في عالم معاصر تتلاشى فيه الحدود القديمة وتولد فيه أشكال جديدة من الترحال الثقافي والوجداني، وتعبره أزمنة قلقة لم تعد تنفتح على هويات مختلفة وغنما تتشرنق حول نفسها ضد قيمها لديمقراطية ذاتها.
أما الترجمة العربية التي أنجزها عبد العزيز كوكاس وسعيد رباعي، فقد سعت إلى نقل روح النص قبل نقل كلماته. فالترجمة كجسر ثقافي يسمح للنص بأن يعبر إلى اللغة العربية محتفظًا بنبرته الإنسانية وبحساسيته الأدبية.
يضع هذا الكتاب القارئ أمام سؤال بسيط في ظاهره لكنه عميق في دلالته: هل الهوية شيء نرثه، أم شيء نصنعه عبر رحلاتنا وتجاربنا وذاكرتنا؟ كيف يمكن مقاومة رفض الآخر دون توحش أو عنف، وإنما بذات القيم الكونية التي أنتجها هذا الآخر ذاته؟
لا يقدم الكتاب جوابًا نهائيًا عن هذا السؤال، لكنه يفتح فضاءً واسعًا للتفكير فيه. وهذا بالضبط ما يجعل هذه المحكيات ضرورية في زمننا الراهن: زمن الهويات القلقة، والهجرات الكبرى، والبحث الدائم عن معنى الانتماء. إنه كتاب عن الإنسان حين يصبح العالم أوسع من يقينياته، وحين يكتشف أن الهوية ليست بيتًا ثابتًا، بل رحلة لا تنتهي.