عبد السلام بنعبد العالي: كلام ترمب الذي يتخطى القول إلى الفعل "الإنجازي" حتى "الهراء" يصبح له وزن على لسان صاحب السلطة

عبد السلام بنعبد العالي: كلام ترمب الذي يتخطى القول إلى الفعل "الإنجازي" حتى "الهراء" يصبح له وزن على لسان صاحب السلطة عبد السلام بنعبد العالي

منذ أن تقلد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ولايته الرئاسية الثانية، وهو يخرج علينا بتصريحات وتدوينات لا تكف تلقى سخرية لاذعة عند المتلقين من الصحافيين والمحللين، وحتى من الجمهور العادي. بل إن من هؤلاء من يذهب إلى أن الرجل بعيد عن أن يكون في كامل قواه العقلية، وأنه "يرسل الكلام على عواهنه"، هذا إن لم يكن يلفق الكلام، فيدرج بين كذبة وأخرى كذبة ثالثة، على ما قيل. نتيجة ذلك أن غالبية المتلقين لم يكونوا ليحملوا كلام الرئيس محمل الجد فيعتبرونه "مجرد كلام".

 

خرجات الرئيس

غير أن ما يغفله هذا النوع من رد الفعل هو ما كان يتمخض عن "خرجات" الرئيس الأميركي من "فعالية" وتأثير كانا يتجليان أساسا في التغير المباشر الذي يلحق قيمة الدولار وأسعار البنزين، وما يترتب على ذلك من رجة في الأسواق العالمية جميعها، وهذا إثر كل خرجة من خرجاته. فرغم أن المتلقين لم يكونوا ليصدقوا ما يقول، فإن "الواقع" كان يتأثر بأقواله.

 

ما يؤكد أن ما يصدر عنه ليس "مجرد هراء"، فمهما اعتبرناه خروجا عن منطق العقل، فهو لم يكن ليخرج عن "منطق الفعل"، بل إنه كان يفعل في أمور ذات شأن يتسم بشيء من الخطورة.

 

إن لم تكن "خرجات" الرئيس الأميركي إذن "كلاما عاقلا"، فهي كلام "فاعل". وكل توقف عند فحوى كلامه يظل غير مجد، اعتبارا بأن كلامه "إنجاز" وليس كشفا لدلالات، وإفصاحا عن سريرة، وتعبيرا عن آراء.

 

في مقال مهم بعنوان: "اللغة المشروعة: في الشروط الاجتماعية لفعالية الخطاب الشعائري"، كان عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو قد عاب على كل من يسلم "بأن اللغة يمكن أن تدرس كموضوع مستقل"، ويذهب إلى "الفصل المطلق بين اللسانيات (علم اللسان)، وعلم الاستعمالات الاجتماعية للغة"، لا بد أن "يظل طرحه لمسألة سلطة الكلمات ونفوذها طرحا ساذجا".

 

فإذا سلمنا بأن اللغة يمكن أن تدرس كموضوع مستقل، وذهبنا مع سوسور إلى الفصل المطلق بين اللسانيات التي تقتصر على اللغة في باطنها، وتلك التي تهتم بما هو خارج عنها، فإننا نحصر أنفسنا في البحث عن معنى الكلمات وقوتها وسلطتها داخل الكلمات ذاتها، أي بالضبط حيث لا وجود لتلك القوة، ولا مكان لذلك السلطان.

 

سلطة الكلام

ذلك أن قدرة العبارات على التبليغ لا يمكن أن توجد في الكلمات ذاتها، تلك الكلمات التي لا تعمل إلا على الإشارة إلى تلك القدرة، أو تمثيلها على الأصح، ولا يحدث ذلك إلا نادرا في عمليات التجريد المصطنعة، أن تتحول المبادلات الرمزية إلى مجرد علاقات تواصل، ويؤول فحوى التواصل بكامله إلى المضمون الإخباري للتبليغ. "فليست سلطة الكلام إلا السلطة الموكولة لمن فوض إليه أمر التكلم والنطق بلسان جهة معينة، والذي لا تكون كلماته (أي فحوى خطابه وطريقة تكلمه في الوقت ذاته) على أكثر تقدير إلا شهادة من بين شهادات أخرى، على ضمان التفويض الذي وكل للمتكلم".

 

هذا ما يأخذه عالم الاجتماع الفرنسي على أوستن وعلى هابرماس في ما بعد، حينما يعتقد أنه يجد في الخطاب ذاته، أي في المادة اللغوية للكلام، إن صح التعبير، علة تفسير فعالية الكلام. إن من يحاول أن يفهم، من طريق اللسانيات، سلطة الظواهر اللغوية ونفوذها، ومن يبحث في اللغة  عن علة تفسير فعالية لغة المؤسسة والمنطق المتحكم فيها، ينسى أن اللغة تستمد سلطتها من خارج، "كما ينبهنا إلى ذلك الصولجان عندما يمد، في أشعار هوميروس، إلى الخطيب وهو يأخذ الكلمة". أي أن سلطة الخطاب "لا تأتي من الكلمات نفسها، بل من المؤسسة التي تمنح المتكلم سلطة النطق باسمها". فكلام القاضي كلام ملزم لأنه كلام قاض، وليس لأنه كلام فصيح. و"الكذبة" إن خرجت من فم المؤسسة، ومن وكل إليه أمر النطق باسمها، ليست لا كذبة ولا كلاما صادقا، لكنها ليست مع ذلك "مجرد هراء".

 

إذا كانت هناك عبارات لا تكمن مهمتها، كما يلاحظ أوستن، في وصف مقام أو إقرار واقع، وإنما في "القيام بفعل"، فذلك لأن قوة الكلمات وسلطتها لا تكمن في كونها مجرد استعمال للتعبير الشخصي عند من لا يكون إلا "حاملا" لها، ناطقا بلسانها. فمن عهد إليه أن يكون ناطقا باللسان، لا يستطيع أن يؤثر من طريق الكلمات على أعضاء آخرين، ويؤثر عبر أعمالهم، على الأشياء ذاتها، إلا لأن كلامه يكشف الرأسمال الرمزي الذي وفرته الجماعة التي فوضت إليه الكلام، ووكلت إليه أمر النطق باسمها، وأسندت إليه السلطة.

 

أفعال الكلام

تذكرنا عبارة "كلام الرئيس هراء"، التي يرددها المحللون بعد كل خرجة من خرجات ترمب، بالعبارة التي كان أرسطو نعت بها السفسطائيين حين قال بأنهم "يتكلمون حبا في الكلام". كانت الفيلسوفة الفرنسية باربارا كاسان، في إطار إعادة قراءتها لموقف السفسطائيين ورد الاعتبار إليهم، قد عقبت على ذلك في كتابها "عندما يكون الكلام فعلا وإنجازا بحق": "هذا يعني إدراج "أفعال كلام"، وهي مقاربة تزعم التملص من إشكالية الحقيقة، ضمن إشكالية الحقيقة ذاتها. إن الفيلسوف الأفلاطوني ينتظر من اللغة أن تقول "ما هو الكائن"، رغم أنه لا يجهل أنها أيضا وسيلة للتأثير في الآخر، باللعب مثلا على الإغواء الذي يستخدمه مؤلف الحوارات بدون تردد. إن إنجاز السفسطائي جورجياس ليس سوى "فعل كلام"، ولا يمكن رده إلى محاولة إغواء، وهو مع ذلك لا يحركه أدنى طموح إلى الحقيقة. وعلى أي حال، يمكن المرء أن يتساءل عن مدى ملاءمة مفهوم الحقيقة في عالم أصبح فيه تأثير "المعلومات" أكثر أهمية من مطابقتها للواقع".

 

في هذا المعنى فإن نعت ما يصدر عن الرئيس من كلام بأنه يدخل في ما يصنف في خانة "الأخبار الكاذبة"، هو حشر لذلك الكلام ضمن "إشكالية الحقيقة"، وتصنيفه ضمن الإخبار عن الكائن، وإغفال ما يترتب عليه من فعل في "الواقع" ومساهمة في صنعه.

 

لوصف هذا الوضع الذي يصبح فيه الكلام "إنجازا" لا يكتفي بأن "يقول الكائن"، وإنما يفعل فيه، تستعيد كاسان عبارة الأسقف ديموند توتو، الذي كلف رئاسة لجنة "الحقيقة والمصالحة" التي ابتكرت في جنوب أفريقيا في عهد مانديلا لتجنب حمام دم بعد نظام التمييز العنصري: "يعتقد عادة أن اللغة تقول الأشياء. اللجنة ليست على هذا الرأي. اللغة، الخطاب والبلاغة، تصنع الأشياء. إنها تبني الواقع".

 

لغة الرئيس ليست "كلاما معقولا" ولا هي بعيدة من العقل، وهي ليست "خبرا صادقا" ولا هي بـ"الخبر الكاذب". إنها أفعال وليست أقوالا، وهي لا تفصح ولا تعبر، وإنما تفعل و"تنجز".

 

عن مجلة" المجلة "