سناء المستغفر: العنف السياسي تجاه المرأة.. صراع زمن لا صراع نوع

سناء المستغفر: العنف السياسي تجاه المرأة.. صراع زمن لا صراع نوع سناء المستغفر

العنف السياسي تجاه المرأة ليس معركة بين رجل وامرأة،

بل بين ماضٍ اعتاد الاحتكار… ومستقبلٍ يفرض الشراكة.

بهذا المعنى، نحن لا نقرأ ظاهرة معزولة أو سلوكًا فرديًا، بل نواجه بنية كاملة تعيد إنتاج نفسها كلما شعرت بأن الأرض تتحرك تحت أقدامها. فحين كانت المرأة تُستدعى لتجميل المشهد، كان حضورها مقبولًا، بل مرحّبًا به. أما حين قررت أن تكون فاعلة في القرار، وصانعة للتوجه، تغيّر الخطاب، واشتدّت النبرة، وظهر ما يمكن تسميته بالعنف السياسي في أبسط صوره وأكثرها تعقيدًا.

هذا العنف لا يأتي دائمًا في شكل صدام مباشر، بل يتخفّى أحيانًا في لغة ناعمة:

تشكيك في الكفاءة، تقزيم للإنجاز، ربط النجاح بعوامل خارجية، أو اختزال المرأة في أدوار نمطية لا علاقة لها بقدرتها الفعلية. إنه عنف ذكي، يلبس ثوب “النقد”، لكنه في جوهره رفض غير معلن لإعادة توزيع السلطة.

الخطأ الشائع هو اختزال هذا السلوك في كونه “غريزة ذكورية”. فلو كان كذلك، لكان ثابتًا لا يتغير، ولما شهدنا تحولات عميقة في حضور النساء داخل الفضاء السياسي عبر العالم. ما يحدث في الواقع أقرب إلى رد فعل بنية تاريخية فقدت يقينها. بنية اعتادت أن تكون وحدها في مركز القرار، وتجد نفسها اليوم مضطرة لمشاركة لم تخترها، بل فرضتها كفاءة النساء وإصرارهن.

في هذا السياق، تساعدنا قراءة حنة أرندت على فهم أعمق: فالعنف، في نظرها، ليس تعبيرًا عن قوة، بل دليل على تآكل السلطة. حين تفقد السلطة قدرتها على الإقناع، تلجأ إلى الإقصاء. وحين تعجز عن احتواء المختلف، تحاول إضعافه. وهذا بالضبط ما نراه في كثير من التجارب السياسية، حيث يصبح استهداف النساء انعكاسًا لأزمة أعمق داخل بنية القرار نفسها.

المفارقة أن هذا العنف لا يستهدف المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنه يدرك—بشكل ضمني—أنها لم تعد كذلك. فكل إنجاز تحققه امرأة في موقع مسؤولية، وكل حضور نوعي داخل مؤسسة، يطرح سؤالًا مزعجًا: ماذا لو لم يعد الاحتكار ممكنًا؟ هنا يتحول التوتر إلى سلوك، والسلوك إلى خطاب، والخطاب إلى ممارسة إقصائية.

لكن هل نحن أمام مرحلة انتقالية؟

نعم، إلى حدٍّ كبير. غير أن خطورة المرحلة الانتقالية تكمن في أنها قد تطول، وقد تتحول إلى نمط مستقر إذا لم تُواجَه بوعي وإرادة. فالتاريخ لا يتحرك تلقائيًا نحو العدالة، بل يحتاج إلى من يدفعه في هذا الاتجاه.

إن إنهاء العنف السياسي تجاه المرأة لا يتحقق فقط عبر النصوص القانونية، رغم أهميتها، بل عبر إعادة تشكيل الوعي السياسي نفسه:

وعي يعتبر الكفاءة معيارًا وحيدًا، ويؤمن بأن الشراكة لا تُضعف السلطة، بل تمنحها شرعية أعمق.

في النهاية، المعركة الحقيقية ليست بين رجل وامرأة،

بل بين من يرى السياسة حقًا مشتركًا… ومن لا يزال يراها امتيازًا خاصًا.

وما يحدث اليوم ليس سوى لحظة احتكاك بين عالمين:

عالمٍ يرفض أن يغادر،

وآخر يفرض حضوره… بثقة، وبهدوء، وبلا رجعة.