عبد الجبار شكري: ظهير 1959 للصحة النفسية أصبح متجاوزاً ويحتاج إلى إصلاح جذري قائم على المقاربة الحقوقية

عبد الجبار شكري: ظهير 1959 للصحة النفسية أصبح متجاوزاً ويحتاج إلى إصلاح جذري قائم على المقاربة الحقوقية ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬شكري

في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬يسلّط‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬شكري،‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‮ ‬‭ ‬والمحلل‭ ‬النفسي‭ ‬الإكلينيكي،‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أعطاب‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المنظم‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية‭ ‬بالمغرب،‭ ‬مبرزاً‭ ‬محدودية‭ ‬ظهير‭ ‬1959‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬الحقوقية‭ ‬والطبية‭. ‬كما‭ ‬يقارب‭ ‬ملامح‭ ‬قانون‭ ‬حديث‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬كرامة‭ ‬المرضى‭ ‬وحرياتهم،‭ ‬ويفكك‭ ‬أسباب‭ ‬تعثر‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬71‭.‬13،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬الشروط‭ ‬الأساسية‭ ‬لتسريع‭ ‬إخراجه‭ ‬إلى‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭.‬

 

‭ ‬ماهي‭ ‬أبرز‭ ‬الاختلالات‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬ظهير‭ ‬1959‭ ‬المنظم‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية؟
‭ ‬يُعد‭ ‬ظهير‭ ‬1959‭ ‬إطاراًقانونياً‭ ‬قديماً‭ ‬لم‭ ‬يخضع‭ ‬لتعديلات‭ ‬جوهرية‭ ‬منذ‭ ‬صدوره،‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬غير‭ ‬ملائم‭ ‬للتطورات‭ ‬الحقوقية‭ ‬والطبية‭ ‬الحديثة‭. ‬وبالتالي‭ ‬هناك‭ ‬اختلالات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بحقوق‭ ‬المرضى‭.‬

1-غياب‭ ‬المقاربة‭ ‬الحقوقية‭: ‬الظهير‭ ‬يعتمد‭ ‬مقاربة‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬المريض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬المريض‭ ‬نفسه‭. ‬هناك‭ ‬ضعف‭ ‬التنصيص‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬المرضى‭ ‬وهي‭ ‬،الكرامة،والحرية‭ ‬والموافقة‭ ‬والخصوصية،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬دستور‭ ‬2011‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

‬2- ضعف‭ ‬ضمانات‭ ‬الإيداع‭ ‬بالمستشفيات‭: ‬يسمح‭ ‬بالإيداع‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬العائلة،‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬الإدارية‭‬،دون‭ ‬رقابة‭ ‬قضائية‭ ‬قوية،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬للإيداع‭ ‬التعسفي‭ ‬واستعمال‭ ‬المستشفى‭ ‬كآلية‭ ‬ضبط‭ ‬اجتماعي

3-غموض‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭:‬‭ ‬ويعني‭ ‬عدم‭ ‬وضوح‭ ‬مدة‭ ‬الإيداع‭ ‬وشروط‭ ‬الخروج‭ ‬وآليات‭ ‬الطعن‭ ‬وغياب‭ ‬مساطر‭ ‬واضحة‭ ‬لمراجعة‭ ‬قرارات‭ ‬الإيداع‭.‬
4- ‬غياب‭ ‬آليات‭ ‬المراقبة‭: ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬لجان‭ ‬مستقلة‭ ‬ولا‭ ‬آليات‭ ‬التفتيش‭ ‬الحقوقي‭ ‬ومراقبة‭ ‬قضائية‭ ‬دورية‭.‬
5- ‬عدم‭ ‬مواكبة‭ ‬التطور‭ ‬الطبي‭: ‬ان‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يواكب،‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬الحديث،‭ ‬ولا‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي‭ ‬ولا‭ ‬الرعاية‭ ‬المجتمعية‭ ‬ولا‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬الوقائي،‭ ‬لذلك‭ ‬يعتبر‭ ‬الظهير‭ ‬متجاوزاً‭ ‬وغير‭ ‬ملائم‭ ‬للواقع‭ ‬الحالي‭.‬‮ ‬

‭ ‬ماهي‭ ‬أهم‭ ‬المستجدات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتضمنها‭ ‬قانون‭ ‬حديث‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية؟
‭ ‬أي‭ ‬قانون‭ ‬حديث‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬حقوقية‭ ‬علاجية‭ ‬وليس‭ ‬أمنية‭.‬

1‭. ‬الموافقة‭ ‬المستنيرة‭:‬
وهي‭ ‬الضمانات‭ ‬الأساسية،‭ ‬حق‭ ‬المريض‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬التشخيص‭ ‬ومعرفة‭ ‬العلاج‭ ‬ومعرفة‭ ‬المخاطر‭ ‬ومعرفة‭ ‬نتائج‭ ‬رفض‭ ‬العلاج،‭ ‬ويجب‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬الموافقة‭ ‬مكتوبة‭ ‬مع‭ ‬إشراك‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭ ‬واحترام‭ ‬الاستقلالية‭ ‬وحالات‭ ‬الاستثناء‭ ‬والخطر‭ ‬على‭ ‬النفس،‭ ‬والخطر‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬وفقدان‭ ‬الأهلية،‭ ‬لكن‭ ‬مع،‭ ‬قرار‭ ‬طبي‭ ‬مزدوج،‭ ‬ورقابة‭ ‬قضائية‭.‬
2‭. ‬الرقابة‭ ‬القضائية‭:‬
يجب‭ ‬أن‭ ‬ينص‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬رقابة‭ ‬القاضي‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬إيداع‭ ‬إجباري‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬قاضي،‭ ‬أو‭ ‬وكيل‭ ‬الملك،مراجعة‭ ‬دورية‭ ‬وحق‭ ‬المريض‭ ‬في‭ ‬الطعن،‭ ‬توكيل‭ ‬محام،إعادة‭ ‬الفحص،‭ ‬وتحديد‭ ‬آجال‭ ‬محددة‭ ‬وإيداع‭ ‬مؤقت‭ ‬ومراجعة‭ ‬دورية‭ ‬وإعادة‭ ‬التقييم‭.‬

3‭. ‬آليات‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الإيداع‭ ‬التعسفي‭: ‬وهي‭ ‬الضمانات‭ ‬القانونية،‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬تقريرين‭ ‬طبيين‭ ‬مستقلين‭ ‬مع‭ ‬إشعار‭ ‬الأسرة‭ ‬وإشعار‭ ‬النيابة‭ ‬العامة،والقيام‭ ‬بمراجعة‭ ‬دورية‭ ‬تحت‭ ‬هيئات‭ ‬رقابية،‭ ‬ولجان‭ ‬جهوية‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية‭ ‬تحت‭ ‬رعاية‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وهيئات‭ ‬مستقلة،‭ ‬مع‭ ‬توثيق‭ ‬القرارات‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬قانوني‭ ‬وفي‭ ‬ملفات‭ ‬طبية‭ ‬واضحة،‭ ‬وتقارير‭ ‬دورية‭.‬

4‭. ‬حقوق‭ ‬المرضى‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الحديث‭: ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬وهي‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانيةوالعلاج‭ ‬النفسي،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬السرية‭ ‬الطبية‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬الاختيار‮ ‬
والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الأسرة‭ ‬والطعن‭ ‬القضائي،‭ ‬وعدم‭ ‬التقييد‭ ‬إلا‭ ‬للضرورة‭ ‬وضمان‭ ‬الحقوق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كالإدماج‭ ‬وضمان‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وإعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬وتحقيق‭ ‬الرعاية‭ ‬المجتمعية

‬ماهي‭ ‬أسباب‭ ‬تأخر‭ ‬إخراج‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬71.13؟
λ‭ هناك‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬71.13‭ ‬أُعد‭ ‬لمراجعة‭ ‬ظهير‭ ‬1959‭ ‬لكنه‭ ‬بقي‭ ‬لسنوات‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬ثم‭ ‬سُحب‭ ‬سنة‭ ‬2023،‭ ‬وذلك‭ ‬للأسباب‭ ‬التالية:‮ ‬
1‭. ‬أسباب‭ ‬مؤسساتية‭:‬
بطء‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي‭ ‬حيث‭ ‬صودق‭ ‬عليه‭ ‬حكومياً‭ ‬سنة‭ ‬2015‭ ‬وأحيل‭ ‬للبرلمان‭ ‬2016‭ ‬وبقي‭ ‬لسنوات‭ ‬ثم‭ ‬سُحب‭ ‬سنة‭ ‬2023،‭ ‬وهذا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬تعثر‭ ‬سياسي‭ ‬وتشريعي‭.‬

2‭. ‬أسباب‭ ‬تقنية‭: ‬هناك‭ ‬ملاحظات‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬المشروع‭ ‬وضعف‭ ‬المقاربة‭ ‬التشاركية،‭ ‬وضرورة‭ ‬إشراك‭ ‬الأطباء‭ ‬النفسيين‭ ‬والأخصائيين‭ ‬النفسيين‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والجمعيات‭ ‬المهنية‭ ‬ومشاركة‭ ‬المجلس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

3‭. ‬أسباب‭ ‬واقعية‭: ‬وتتمتل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬البنية‭ ‬الصحية،‭ ‬ونقص‭ ‬الأطباء‭ ‬والمستشفيات وهشاشة‭  ‬الأسرة،‭ ‬وصعوبة‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬عملياًومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬التشريع‭ ‬مرتبط‭ ‬بالإمكانيات‭.‬

4‭. ‬أسباب‭ ‬سياسية‭ ‬وحقوقية‭: ‬وهي‭ ‬ضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬وحماية‭ ‬المريض‭ ‬والحرية‭ ‬الفردية‭ ‬وضمان‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭.‬‭ ‬وهذا‭ ‬خلق‭ ‬نقاشاً‭ ‬كبيراً‭ ‬حول‭ ‬الإيداع‭ ‬الإجباري‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الجنائية‭ ‬والحماية‭ ‬القانونية

‬ما‭ ‬هي‭ ‬الشروط‭ ‬الضرورية‭ ‬لتسريع‭ ‬اعتماد‭ ‬القانون؟
1‭. ‬أولا‭ ‬مقاربة‭ ‬تشاركية‭:‬
ضروررة‭ ‬إشراك‭ ‬الجامعات‭ ‬والأطباء‭ ‬النفسيين‭ ‬وعلماء‭ ‬النفس‭ ‬والقضاة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وأيضا‭ ‬حتى‭ ‬البرلمان‭.‬

2‭. ‬ملاءمة‭ ‬مع‭ ‬الدستور‭:‬
الفصل‭ ‬31 (الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة)
الفصل‭ ‬34 (حماية‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة)
الاتفاقيات‭ ‬الدولية

3‭. ‬ضمانات‭ ‬حقوقية‭ ‬قوية‭:‬
وهي‭ ‬تشمل‭ ‬الموافقة‭ ‬المستنيرة‭ ‬والرقابة‭ ‬القضائية‭ ‬ومنع‭ ‬الإيداع‭ ‬التعسفي‭ ‬واقامة‭ ‬لجان‭ ‬مستقلة‭.‬

4‭. ‬توفير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭:‬
توفير‭ ‬مستشفيات،‭ ‬وأطباء‭ ‬وخدمات‭ ‬مجتمعية‭ ‬ومراكز‭ ‬إعادة‭ ‬التأهيل‭.‬

5‭. ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬واضحة‭:‬
إدراج‭ ‬القانون‭ ‬ضمن‭ ‬إصلاح‭ ‬الصحة،‭ ‬وذلك‭ ‬بتسريع‭ ‬التشريع‭ ‬وإصدار‭ ‬المراسيم‭ ‬التطبيقية‭.‬