نورالدين الزويني
فيلم "المدينة المجنونة" (Mad City)، أو "تغطية صحفية مباشرة " ((Reportage en direct) كما هو عنوانه بالفرنسية، فيلم درامي أمريكي من إخراج كوستا غافراس، يحكي قصة صحفي يدعى ماكس براكيت ، كانت له مسيرة مهنية واعدة فاضطر عقب خلاف مهني مع زميله الصحفي النجم كيفن هولاندر إلى الانتقال للعمل في محطة تلفزيونية محلية صغيرة. وبينما كان يقوم بروبورتاج عاد في أحد المتاحف، دخل فجأة حارس أمن سابق بالمتحف، سام بيلي الذي تم فصله عن العمل يحمل بندقية ومتفجرات وشرع في تهديد مديرة المتحف مطالبا اياها بإعادته الى عمله، وذلك قبل أن يتطور الأمر بالصدفة عقب طلق ناري منفلت ومقتل حارس أمن آخر إلى عملية احتجاز رهائن غير مقصودة .
اعتبر الصحفي ماكس براكيت الذي سيجد نفسه محتجزا كرهينة في المتحف لمدة ثلاثة أيام مع مدرسة وتلامذتها كانوا في زيارة للمتحف، عملية الاحتجاز هاته فرصة لإنجاز سبق صحفي كبير والانتقام من غريمه كيفن هولاندر والعودة بالتالي الى الواجهة .
ولتحقيق هدفه سيعمد إلى تقديم المشورة للمستخدم المفصول وسيتمكن من استعمال كاميرا ونقل الوقائع مباشرة مستغلا عملية الاحتجاز التي أراد أن يجعل منها حدثا بارزا يحقق من خلاله سبقه الصحفي، غير أن الوضع سيخرج عن السيطرة وينتهي نهاية مأساوية بسبب تسارع الأحداث وتعامل الشرطة مع عملية الاحتجاز بضغط من وسائل الاعلام ومن الراي العام.
كتب سيناريو الفيلم الذي تم عرضه في عام 1997 توم ماثيور ولعب دور البطولة فيه كل من جون ترافولتا الذي أدى دور المستخدم المفصول، وداستن هوفمان في دور الصحفي الساعي إلى تحقيق سبق صحفي. وأبان هذا الثنائي في الفيلم الذي جاء عبارة عن دراما اجتماعية رائعة أتقن كونستانتينوس كوستا غافراس إخراجها عن مواهب كبيرة، الأول كإنسان ذي شخصية ضعيفة ومهزوزة، والثاني كشخص مؤثر في دوره كصحفي اجتماعي.
و بحسب تقارير إعلامية ونشرات متخصصة،فقد استوحى توم ماثيور سيناريو الفيلم الذي كتبه بمساعدة إريك ويليامز من التغطية الإعلامية لحصار مجمع جبل الكرمل التابع لطائفة الداووديين ببلدة واكو في ولاية تكساس الآمريكية في عام 1993 من قبل قوات الأمن بعد الاشتباه فيهم من طرف مكتب التحقيقات الفيدرالي في التبغ والكحول والأسلحة النارية بحيازة كميات كبيرة من الأسلحة بطريقة غير مشروعة، حيث عمدت وسائل الإعلام التي لم تكن لديها معلومات موثوقة إلى نشر شائعات وتضخيم الحقائق حول هذا الحدث.
وأسفر حصار واكو الذي ضرب، على مقر مجمع الطائفة الداوودية بزعامة شاب (35 عاما ) كان يدعي النبوة اسمه ديفيد كوريش ،والذي استمر 51 يوما، عن مقتل 86 شخصا أربعة من القوات العمومية و82 من أتباع الطائفة، بينهم 25 طفلا وزعيمها ديفيد كوريش الذي كان يعتبر نفسه نبي نهاية العالم ويزعم أنه وحده القادر علي تفسير المعني الحقيقي للكتاب المقدس .
وقتل معظم هؤلاء في حريق نشب بالمجمع بعد فشل مفاوضات مع زعيم الطائفة ديفيد كوريش ولجوء قوات الأمن لمداهمته بالدبابات ولجوئها الي استعمال الغاز المسيل للدموع وقنابل حارقة بحسب ما ذكرته وسائل إعلام في ما بعد.
وغطت وسائل اعلام من مختلف دول العالم هذا الحصار الذي تحول إلى ما وصف ب "سيرك إعلامي" مع تمركز أكثر من 100 وسيلة إعلامية قرب المزرعة التي يوجد بها مجمع طائفة الداووديين مع بث مباشر 24/24، وقطعت محطات تلفزية كبرى برامجها لنقل عملية الحصار والحرائق مباشرة.
ووجهت لوسائل الاعلام اتهامات بالتأثير في مجريات الأحداث بطريقة تغطيتها للحصار ونشرها صورا لزعيم طائفة الداووديين وعرضها لترسانة الأسلحة التي قيل إنها كانت بحوزتهم. كما اتهمت بالتأثير على سلوك الطائفة داخل المجمع وعرقلة المفاوضات التي كانت جارية حيث اشتكت قوات الآمن من أن أعضاء الطائفة كانوا يشاهدون التلفاز داخل المزرعة ويعرفون تحركات قوات الأمن مما أفقد العملية عنصر المفاجأة وقوى موقف زعيم الطائفة وجعله يرفض الاستسلام، فضلا عن أن التغطية المستمرة خلقت ضغطا شعبيا لإنهاء الأزمة بسرعة، وهو ما دفع قوات FBI لاستخدام الغاز المسيل للدموع ثم القيام بعملية المداهمة.
وظلت التغطية الإعلامية التي وصفت بالكارثية لحصار واكو مثالا للمسؤولية في التغطية المباشرة السلبية للأحداث ، واستلهم منها توم ماثيور سيناريو فيلم، "المدينة المجنونة" الذي كانت نهايته الى حد كبير شبيهة بنهاية حصار واكو، حيث تنتهي أحداث الفيلم بمأساة تسببت فيها إثارة إعلامية مبالغ فيها عندما قام الحارس سام بيلي المفصول عن العمل بالإفراج عن الرهائن الذين كان يحتجزهم وتفجير نفسه بداخل المتحف بعد أن اكتشف أنه تم التلاعب به وأنه لم يعد له من مخرج بعد محاصرته من قبل قوات الأمن بينما سيحقق الصحفي ماكس براكيت عودة إعلامية على حساب حياته.
لقد جاء الفيلم قصة مؤثرة تضمنت نقدا لاذعا لوسائل الإعلام المرئية التي تضحي بالموضوعية على مذبح نسب المشاهدة، وللصحفيين الذين يعمدون الى الإثارة بدافع المصالح، وللإعلام بصفة عامة وتلاعبه بالرأي العام. كما نجح في إيصال رسالة أرادها كوستا غافراس أن تكون دعوة إلى التفكير النقدي إزاء الإعلام وأدائه كقوة قادرة على صنع وتدمير حياة الناس بتجاوزاته وتلاعبه بالرأي العام.