ربيع الكرعي: هل ما يزال الحزب الاشتراكي الموحد أطروحة نضالية أم مجرد عنوان؟

ربيع الكرعي: هل ما يزال الحزب الاشتراكي الموحد أطروحة نضالية أم مجرد عنوان؟ ربيع الكرعي

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذه اللحظة السياسية الدقيقة هو: هل ما يزال الحزب الاشتراكي الموحد وفياً لأطروحته النضالية التي تأسس عليها، أم أن الاسم استمر بينما تبدلت المضامين، وتسللت إليه موجة التحول التي أصابت جزءاً كبيراً من اليسار المغربي؟
لقد وُلد الحزب من رحم تجربة نضالية عميقة، حملت همّ الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وارتبط اسمه لسنوات بمواقف جريئة في مواجهة السلطوية، والدفاع عن الديمقراطية الحقيقية، والانحياز الصريح لقضايا الشعب. كان يمثل، بالنسبة لكثيرين، ضميراً يقظاً داخل المشهد الحزبي، وصوتاً نقدياً صلباً في وجه كل أشكال التحكم.
غير أن المتتبع للشأن الداخلي للحزب اليوم يلحظ مفارقة مقلقة: فبدل أن يظل نموذجاً في الديمقراطية الداخلية وتدبير الاختلاف، بدأت تبرز ممارسات تنظيمية تعيد إنتاج نفس الأساليب التي طالما انتقدها الحزب في غيره. تضييق على الأصوات المخالفة، تهميش للكفاءات، وتغليب منطق الولاءات الضيقة على منطق الكفاءة والالتزام النضالي.
وهنا يطفو على السطح سؤال جوهري: كيف لحزب وُجد أصلاً لمقاومة منطق “المخزن” أن يتبنى، ولو بشكل غير معلن، بعضاً من أساليبه في تدبير الشأن التنظيمي الداخلي؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تنظيم سياسي ليس فقدان مقاعد انتخابية أو تراجع الحضور الإعلامي، بل فقدان الروح التي تمنحه مشروعيته الأخلاقية والنضالية. حين يتحول التنظيم من فضاء للنقاش الحر والتعدد الفكري إلى فضاء منغلق تحكمه الحسابات الضيقة، فإن العنوان يبقى، لكن الجوهر يتآكل بصمت.
لقد عرف اليسار المغربي، عبر محطات متعددة، تحولات مؤلمة؛ حيث انتقلت بعض مكوناته من موقع الفعل النضالي إلى موقع التدبير البيروقراطي، ومن الدفاع عن القيم إلى البحث عن المواقع. فهل يسير الحزب الاشتراكي الموحد في نفس المسار؟ أم أن ما يحدث مجرد مرحلة عابرة يمكن تداركها بالنقد الذاتي والعودة إلى الجذور؟
إن الحفاظ على الأطروحة النضالية لا يتم بالشعارات، بل بممارسات يومية داخل التنظيم: احترام الرأي المخالف، التداول الحقيقي على المسؤوليات، ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الأولوية للفكرة على الأشخاص.
اليوم، يقف الحزب أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يجدد صلته بأسباب وجوده الأولى، ويستعيد وهجه كقوة اقتراحية ونضالية، أو أن يستمر في مسار قد يقوده تدريجياً إلى ما يشبه “سفينة اللاعودة”، حيث يبقى الاسم بينما يتغير كل شيء.
إن السؤال المطروح ليس سؤال خصوم، بل سؤال رفاق وغيورين على تجربة كان يُفترض أن تظل استثناءً في المشهد الحزبي المغربي. فهل يملك الحزب الجرأة الكافية للقيام بمراجعة داخلية صادقة تعيد الاعتبار لأطروحته، أم أن منطق التحول أصبح أقوى من ذاكرته النضالية؟


ربيع الكرعي نائب منسق تيار اليسار الجديد المتجدد