محمد جدري، الخبير الاقتصادي
في ظل التحولات التي يعرفها القطاع الفلاحي وتزايد اعتماد المغرب على الاستيراد لتأمين حاجياته الغذائية، يسلّط الخبير الاقتصادي محمد جدري، الضوء على الأسباب البنيوية والسياسات العمومية التي قادت إلى هذا الوضع. ويحلّل تحديات الأمن الغذائي في سياق الأزمات الدولية، مبرزاً حدود هامش المناورة المتاح، واقترح مداخل عملية لاستعادة قدر أكبر من السيادة الغذائية وتعزيز صمود المنظومة الوطنية
ما هي الأسباب التي أدّت إلى جعل المغرب يفقد أمنه الاقتصاديويصبح في وضعية تبعية متزايدة للأسواق الخارجية؟
عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تحولاً تدريجياً من بلد كان يحقق قدراً مهماً من الاكتفاء في بعض المواد الأساسية، إلى بلد يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد لتأمين حاجياته الغذائية. هذا التحول لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل بنيوية واختيارات في السياسات العمومية.
فعلى المستوى البنيوي، يواجه المغرب تحديات طبيعية متفاقمة، في مقدمتها ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف، وهو ما أثر بشكل مباشر على إنتاج الحبوب والأعلاف. كما أن التغيرات المناخية زادت من تقلبات الإنتاج الفلاحي، خاصة في الزراعات البورية التي لا تزال تشكل جزءاً مهماً من النسيج الزراعي. إلى جانب ذلك، يظل ضعف الإنتاجية وتفتيت الملكية الفلاحية من بين العوامل التي تحد من قدرة القطاع على تحقيق مردودية كافية لتغطية الطلب الداخلي.
أما على مستوى السياسات العمومية، فقد ساهمت اختيارات النموذج الفلاحي، خاصة منذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر، في توجيه جزء مهم من الاستثمارات نحو الزراعات التصديرية ذات القيمة المضافة العالية، مثل الخضر والفواكه، على حساب الزراعات الأساسية كالحبوب والقطاني. هذا التوجه عزز من اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، لكنه في المقابل زاد من تبعيته للأسواق الخارجية في المواد الاستراتيجية.
كما أن انفتاح المغرب على التجارة الدولية، في إطار اتفاقيات التبادل الحر، جعل الاستيراد في بعض الأحيان أكثر تنافسية من الإنتاج المحلي، مما أثر على تحفيز الفلاحين للاستثمار في بعض السلاسل الأساسية. ويضاف إلى ذلك ضعف سلاسل التخزين والتحويل، مما يؤدي إلى ضياع جزء من الإنتاج وارتفاع الكلفة. بالتالي، فإن التبعية الغذائية التي يعيشها المغرب اليوم هي نتيجة طبيعية لاختيارات اقتصادية وهيكلية، أكثر منها مجرد ظرفية عابرة.
إلى أي حد يمكن القول إن المغرب لا يمنح ملف السيادة الغذائية الأهمية الاستراتيجية اللازمة؟ وكيف يمكن تقييم تدبيره للأزمات في هذا المجال؟
أظهرت الأزمات العالمية المتتالية، وعلى رأسها جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، أن مسألة الأمن الغذائي أصبحت من القضايا الاستراتيجية التي لا تقل أهمية عن الأمن الطاقي. وفي الحالة المغربية، يمكن القول إن هناك وعياً متزايداً بأهمية هذا الملف، لكن دون أن يرتقي بعد إلى مستوى أولوية استراتيجية واضحة ومؤطرة بشكل صريح.
فالدولة أطلقت بالفعل استراتيجيات مهمة مثل "الجيل الأخضر 2020-2030"، والتي تهدف إلى تطوير القطاع الفلاحي وتحسين مردوديته، غير أن هذه الاستراتيجية لا تضع الأمن الغذائي كهدف مركزي بقدر ما توازن بين أهداف متعددة، من بينها التصدير، خلق فرص الشغل، وتحسين الدخل القروي.
أما فيما يتعلق بتدبير الأزمات، فقد أبان المغرب عن قدر من المرونة، خاصة من خلال دعم المواد الأساسية والحفاظ على استقرار نسبي للأسواق، إضافة إلى تنويع الشركاء التجاريين لتفادي الانقطاع في التموين. غير أن هذه المقاربة ظلت في كثير من الأحيان تفاعلية أكثر منها استباقية، حيث كشفت الأزمات عن محدوديةالمخزون الاستراتيجي، خصوصاً في ما يتعلق بالحبوب، وعن استمرار الاعتماد الكبير على الخارج لتأمين مواد أساسية.
بناءً عليه، يمكن القول إن المغرب نجح في تدبير الأزمات على المدى القصير، لكنه لا يزال مطالباً بتعزيز رؤيته الاستراتيجية لضمان الأمن الغذائي على المدى المتوسط والبعيد.
كيف تؤثر هذه التحولات الدولية على قدرة المغرب في تأمين حاجياته الغذائية؟ وما حدود هامش المناورة المتاح أمامه في ظل هذه الظرفية؟
تعيش المنظومة الغذائية العالمية اليوم على وقع تحولات عميقة، نتيجة التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد،وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الدول المستوردة للمواد الغذائية، ومن بينها المغرب.
فمن جهة، تؤدي هذه التحولات إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية في الأسواق الدولية، وإلى صعوبات في التزود خلال فترات الأزمات، مما يخلق ضغوطاً على السوق الداخلية سواء من حيث الأسعار أو الوفرة. ومن جهة أخرى، ينتقل هذا التأثير إلى الاقتصاد الوطني عبر ما يسمى بالتضخم المستورد، ويؤثر سلباً على الميزان التجاري وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
ورغم هذه التحديات، يتوفر المغرب على بعض عناصر المرونة، من بينها تنويع شركائه التجاريين، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، إضافة إلى استقراره السياسي الذي يمكنه من تأمين علاقات تجارية مستقرة. غير أن هامش المناورة يبقى محدوداً بسبب ضعف الإنتاج المحلي في بعض المواد الأساسية، واعتماد الفلاحة بشكل كبير على التساقطات المطرية، فضلاً عن محدودية قدرات التخزين الاستراتيجي.بالتالي، فإن قدرة المغرب على مواجهة هذه التحولات تظل رهينة بمدى قدرته على تقوية إنتاجه الداخلي وتقليص تبعيته للخارج.
ما هي الخطط التي تقترحها لاستعادة جزء من السيادة الغذائية، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأساسية؟ وكيف يمكن تقليص تبعية المغرب للخارج، وتحقيق توازن أفضل للميزان التجاري، وتعزيز استقلالية القرار الغذائي الوطني؟
في ظل التحديات الراهنة، أصبح من الضروري إعادة النظر في النموذج الفلاحي والغذائي للمغرب، بهدف تحقيق توازن أفضل بين النجاعة الاقتصادية ومتطلبات الأمن الغذائي.
وتتمثل الخطوة الأولى في إعادة توجيه جزء من السياسات العمومية لدعم الزراعات الأساسية، مثل الحبوب والقطاني والأعلاف، من خلال تحفيز الفلاحين وتوفير الدعم والتأمين اللازمين لتقليل المخاطر المرتبطة بهذه الزراعات. كما يقتضي الأمر إحداث تحول حقيقي في تدبير الموارد المائية، عبر تسريع مشاريع تحلية المياه، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتعميم تقنيات الري الحديثة.إلى جانب ذلك، يظل تعزيز المخزون الاستراتيجي أولوية قصوى، من خلال تطوير قدرات التخزين وإرساء منظومة فعالة لتدبير الاحتياطات الغذائية. كما أن تطوير سلاسل القيمة، خاصة في مجالات التخزين والتحويل الغذائي، سيمكن من تقليص الفائض وتحسين مردودية الإنتاج.
وعلى المستوى الخارجي، يتعين على المغرب اعتماد سياسة تجارية أكثر ذكاءً، تقوم على تنويع الموردين، وبناء شراكات استراتيجية، خاصة مع الدول الإفريقية، في إطار ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الغذائية.
وفي الأخير، لا يمكن تحقيق الأمن الغذائي دون الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، من خلال تطوير الفلاحة الذكية والرقمنة، بما يسمح بتحسين الإنتاجية والتكيف مع التغيرات المناخية.
خلاصة القول، إن تحقيق الأمن الغذائي لا يعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي المطلق، بل يقوم على بناء منظومة وطنية قادرة على الصمود، وتقليص المخاطر، وضمان الأمن الغذائي للمواطنين في مختلف الظروف.