الصحة النفسية في المغرب… أرقام مقلقة وتشريع متجاوز يفاقم معاناة المرضى

الصحة النفسية في المغرب… أرقام مقلقة وتشريع متجاوز يفاقم معاناة المرضى

في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬مؤشرات‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬بالمغرب،‭ ‬يكشف‭ ‬خبراء‭ ‬وفاعلون‭ ‬حقوقيون‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬خطيرة‭ ‬بين‭ ‬واقع‭ ‬المرضى‭ ‬والإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المؤطر‭ ‬لهم،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ظهير‭ ‬1959‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬الحقوقية‭ ‬والطبية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تؤكد‭ ‬فيه‭ ‬الأرقام‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة‭ ‬وضرورة‭ ‬إصلاح‭ ‬عاجل‭ ‬وشامل‭.‬
تضع‭ ‬مؤشرات‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬مقلق،‭ ‬يتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لدى‭ ‬فئة‭ ‬الشباب،‭ ‬مقابل‭ ‬تقادم‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬وضعف‭ ‬العرض‭ ‬الصحي،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬بإلحاح‭ ‬سؤال‭ ‬الإصلاح‭ ‬التشريعي‭ ‬والمؤسساتي‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭.‬
وفق‭ ‬معطيات‭ ‬علمية‭ ‬ودراسات‭ ‬حديثة،‭ ‬يعاني‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬خمسة‭ ‬مراهقين‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬،‭ ‬بينما‭ ‬تصل‭ ‬نسبة‭ ‬الاكتئاب‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الفئات‭ ‬إلى‭ ‬26.5‭ ‬في‭ ‬المائة‭ .‬
‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬أبحاث‭ ‬ميدانية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬49‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬و53 في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬أظهروا‭ ‬أعراض‭ ‬القلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ضغطاً‭ ‬نفسياً‭ ‬متزايداً‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالتحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭.‬
الأرقام‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسلوك‭ ‬الانتحاري‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للقلق،‭ ‬إذ‭ ‬تفيد‭ ‬تقارير‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬بأن‭ ‬عدد‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يتجاوز‭ ‬ألف‭ ‬حالة‭ ‬سنوياً،‭ ‬بمعدل‭ ‬يفوق‭ ‬ثلاث‭ ‬حالات‭ ‬يومياً‭ . ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬الانتحار‭ ‬بنحو‭ ‬97%‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬2000‭ ‬و2012،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬أن‭ ‬حوالي‭ ‬16%‭ ‬من‭ ‬المراهقين‭ ‬راودتهم‭ ‬أفكار‭ ‬انتحارية‭.‬
ورغم‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات،‭ ‬تؤكد‭ ‬تقارير‭ ‬ودراسات‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬لا‭ ‬تتلقى‭ ‬العلاج،‭ ‬وأن‭ ‬جزءاً‭ ‬منهم‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الطب‭ ‬التقليدي‭ ‬أو‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬هشاشة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬يعمّق‭ ‬الأزمة‭ ‬ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬إشكال‭ ‬بنيوي‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد‭.‬
في‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬يبرز‭ ‬إشكال‭ ‬قانوني‭ ‬جوهري‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬بظهير‭ ‬30‭ ‬أبريل‭ ‬1959،‭ ‬الذي‭ ‬يعتبره‭ ‬خبراء،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬شكري‭ ‬والفاعل‭ ‬الحقوقي‭ ‬علي‭ ‬لطفي،‭ ‬نصاً‭ ‬متجاوزاً‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يواكب‭ ‬المعايير‭ ‬الحديثة‭.‬
ويرى‭ ‬المتدخلون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الظهير‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬أمنية‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬المريض،‭ ‬بدل‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬هذا‭ ‬الأخير،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬غياب‭ ‬رقابة‭ ‬قضائية‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬الإيداع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬حالات‭ ‬محتملة‭ ‬من‭ ‬التعسف‭. ‬كما‭ ‬يُسجل‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬التنصيص‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬للمريض،‭ ‬مثل‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬العلاج،‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬الطعن،‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬المراقبة‭ ‬المستقلة‭.‬
كما‭ ‬يطرح‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬إشكالاً‭ ‬إضافياً‭ ‬مرتبطاً‭ ‬باستعمال‭ ‬مصطلحات‭ ‬قديمة‭ ‬تكرس‭ ‬الوصم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتجه‭ ‬فيه‭ ‬التشريعات‭ ‬الحديثة‭ ‬نحو‭ ‬مقاربة‭ ‬حقوقية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الكرامة‭ ‬والاندماج‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يدعو‭ ‬خبراء‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬إقرار‭ ‬قانون‭ ‬جديد‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬ركائز‭ ‬أساسية:
الموافقة‭ ‬المستنيرة‭ ‬كحق‭ ‬أصيل‭ ‬للمريض،
الرقابة‭ ‬القضائية‭ ‬على‭ ‬الإيداع‭ ‬الإجباري،إحداث‭ ‬آليات‭ ‬مستقلة‭ ‬للمراقبة‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬التعسف‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬71.13،‭ ‬الذي‭ ‬أُعد‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات،‭ ‬ظل‭ ‬لسنوات‭ ‬حبيس‭ ‬المسار‭ ‬التشريعي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬سحبه‭ ‬سنة‭ ‬2023،‭ ‬بسبب‭ ‬عوامل‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬غياب‭ ‬المقاربة‭ ‬التشاركية،‭ ‬واعتراض‭ ‬المهنيين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الصحية‭.‬
وتكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬خصاص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬محدودية‭ ‬الميزانية‭ ‬المخصصة‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع،‭  ‬(التي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬2%‭ ‬من‭ ‬ميزانيةالصحة)،‭ ‬النقص‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬خصاص‭ ‬مهول‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬أطباء‭ ‬النفس‭ ‬والممرضين‭ ‬المختصين،‭  ‬اقل‭ ‬من‭ ‬طبيب‭ ‬واح‭ ‬ل‭ ‬100.000‭ ‬نسمة‭.  ‬ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭  ‬توصي‭ ‬بـ‭ ‬1.7‭ ‬لكل‭ ‬100.000‭ ‬نسمة‭. ‬
ما‭ ‬يجعل‭ ‬تطبيق‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬تشريعي‭ ‬رهيناً‭ ‬بتأهيل‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬وتوفير‭ ‬الموارد‭ ‬اللازمة‭.‬
‭ ‬يتقاطع‭ ‬التشخيص‭ ‬الحقوقي‭ ‬والطبي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬علاجية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ورش‭ ‬إصلاحي‭ ‬شامل‭ ‬يهم‭ ‬التشريع‭ ‬والسياسات‭ ‬العمومية‭. ‬وبين‭ ‬أرقام‭ ‬مقلقة‭ ‬ونصوص‭ ‬قانونية‭ ‬متجاوزة،‭ ‬يظل‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬"الإيداع‭ ‬والعزل"‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬"العلاج‭ ‬والكرامة‭ ‬والإدماج‭ ‬المجتمعي"‭.‬