حنان السعدي، سفيرة المغرب في جمهورية التشيك، وعبد الرحيم أريري
ليس من باب المصادفة أن يدعو نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية التشيكي، بيتر ماتسينكا Petr Macinka، إلى تصنيف البوليساريو دون تردد “منظمة إرهابية”، وأن يعلن بلسان واثق أن مقترح الحكم الذاتي في سقف الحلول لتسوية نزاع الصحراء؛ فوراء كل ذلك امرأة قوية، تتحرك بانسياب وهدوء في ممرّات الدبلوماسية الأوروبية.
اسمها حنان السعدي (سفيرة المغرب في براغ منذ 2018). من مواليد 28 يناير 1965. حاصلة على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الدولي من جامعة مدريد، وماجستير في العلاقات الدولية من جامعة الأندلس الدولية، وماجستير في الترجمة واللسانيات من معهد اللغات الأجنبية بموسكو؛ امرأة الوعي اليقظ الذي يعيد ترتيب المسافات بين الثقافات، ويمنح الزمن السياسي إيقاعاً إنسانياً أقل صخباً وأكثر عمقاً. حضورها هناك كان مسبوقا بحضور لامع في رومانيا (قائمة بالأعمال بسفارة المغرب ببوخاريست منذ 2001) وإسبانيا (مستشارة سياسية بسفارة المغرب في مدريد/2007) و(قنصل عام مايوركا/2015)، وقد أثبتت، في كل ذلك المسار، أن الديبلوماسية لا تقاس بحدة الخطاب، بل بالقدرة على الإقناع، والنقش الهادئ في صمت الآخرين.
منذ أن حملت صفة “سفيرة المملكة المغربية في جمهورية التشيك” بدأ مسارها أشبه بتدرّج داخلي نحو شكل من النضج المركّب، حيث لا تنفصل المعرفة عن الحدس. وقد ساعدها تكوينها في القانون الدولي والعلاقات الدولية والترجمة على التعامل مع القضايا الوطنية كنسيج متكامل وحيّ، وأن تجعل من قضية الصحراء (النظارة التي يرى بها المغرب العالم) خلفية لكل جملة تنطق بها، ومن المبادرة الواعية بالمصالح الوطنية العليا ساحة لكل مواجهة.
ثمة في شخصيتها الديبلوماسية ميل واضح إلى الاقتصاد في الإشارة وتشبيك العلاقات والعمل في العمق، بعيدا عن ضوضاء الخصوم، وخارج بروباغندا الإعلام المأجور. تتحدث عن المغرب، فتستحضر الاستقرار كحالة وجودية؛ وتشير إلى المشاريع الكبرى، إلى القطار السريع، إلى البنيات التحتية، إلى أوراش الطاقة المتجددة، فتبدو الأرقام في خطابها أقل أهمية من الطاقة الرمزية التي يحملها صوتها.
في لحظات الاحتفال، خاصة خلال عيد العرش الذي تستدعي له مختلف الأسماء التشيكية الوازنة من كل الحقول المعرفية ومن كل العائلات السياسية، يتخذ صوتها نبرة أقرب إلى استحضار طقس قديم يتقاسمه كل المغاربة. تتحدث عن العرش، فيحضر بوصفه فكرة استمرارية، خيطاً غير مرئي يربط الأجيال المتعاقبة، ويمنح الجماعة إحساسها بالتماسك الكثيف ليس حول “الملكية” فقط، بل حول “الوحدة الترابية” الذي تحيطه السعدي بوابل من التراكم التاريخي والحجج القانونية، حيث تستحضر مسار استكمال الوحدة الترابية، وتبرز مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أفقاً سياسياً واقعياً مبنيا على الواقعية والإقناع، وليس على بكائيات التماسيح التي انفضح أمرها داخل الفضاء الأوروبي.
تكتفي السعدي بلغة الترافع السياسي، لأنها تدرك أن الثقافة والفن واجهتان مشرقتان لإضاءة أركان البلاد. ففي قصر “ترويا” Troja ببراغ، عملت بكل تفان على استدعاء رقصات الجنوب وإيقاعات الأندلس وبهجة مراكش وإشراقات فاس وتطوان وآسفي، كما أطلقت العنان للقفطان ليتحدث بلسان مغربي مبين عن تاريخ طويل من التحولات، كأنها بذلك تبني سردية أخرى تراكم ترتيب الحواس المغربية في قلب التشيكيين.
أما في الفضاء الأكاديمي، فإن خطابها القوي، مثلما كان الأمر في محاضرتها بجامعة نيويورك الدولية في براغ، يتخذ طابعاً أقرب إلى التفكير بصوت مرتفع. إذ تربط الماضي بالمستقبل، عبر شبكة من الإمكانات التي تحتشد في الحاضر، وبرؤية تؤمن بأن الاستمرارية رداء ضروري لكل تحول. وما الحضور الكثيف للطلبة والأساتذة إلا دليل على أن هذه اللحظات تمنح المغرب بعداً تداولياً لقضاياه العادلة. كما يقدم البرهان على أن سفيرة المغرب لدى جمهورية التشيك ترسم خريطة خارجية أوسع من كل تردد، ما دامت المحاضرات مبنية على الاستدلال العقلي والحجة التاريخية والمقاربة العلمية، بما يجعل الاستنتاج أقل ميلاً إلى الأحكام السريعة، وأكثر قدرة على قراءة الفروق الدقيقة.
إن حنان السعدي، كما يذهب إلى ذلك القريبون منها، “عقل ديبلوماسي” يتميز بالذكاء والتروي والانفتاح؛ فهي تعيش “الدبلوماسية” كفعل تفكير مستمر، وكتفكيك متواصل لشبكة من العلاقات المتحولة، وكحقل لبناء سرديات قابلة للفهم داخل السياق الأوروبي. ولعل هذا ما جذب إليها أنظار الإعلام التشيكي، حيث تتقاطع صورتها مع فكرة الدبلوماسية الثقافية بوصفها امتداداً للفكر السياسي، حيث تُقرأ مشاركاتها في الندوات والمحاضرات بوصفها لحظات لإعادة ترتيب العلاقة بين المغرب والفضاء الأوروبي.
إلى جانب كل ذلك، تبدو حنان السعدي، في حضورها الإنساني، قريبة من الجالية المغربية، حيث يتحول اللقاء إلى لحظة إعادة وصل بالوطن، واستحضار لقيم الانتماء، مما يضفي على عملها عمقاً إضافياً، يجعل الدبلوماسية ممارسة تتجاوز الرسمي نحو الإنساني، وتمنح الهوية المغربية امتداداً حياً خارج الحدود. وبذلك تتشكل صورة حنان السعدي كأحد الوجوه التي تكتب الدبلوماسية المغربية بلغة معاصرة، حيث تتداخل السياسة الوطنية مع الثقافة القانونية، والتاريخ المزدهر مع الحاضر المشرق، والرؤية الشفافة مع الفعل المتواصل.