خالد أخازي: المدرسة المختنقة.. حكاية سم لا يرى

خالد أخازي: المدرسة المختنقة.. حكاية سم لا يرى خالد أخازي

في الصباحات التي تشبه بعضها حد الإرهاق، يدلف المدرسون إلى مؤسساتهم لا كموظفين فقط، بل كحملة توتر خفي، كأنهم يعبرون بوابة لا تفضي دائما إلى المعرفة،
بل أحيانا كثيرة إلى اختبار يومي في تحمل حرارة “كيمياء العلاقات”.... لا يقاس الهواء بالأوكسجين... هنا... بل بدرجة سميته العلائقية.
المدرسة كباقي الممظمات الاجتماعية  والمهنية ليست فضاء واحدا...بل تتوزع فيها ثلاث طبقات تتجاور دون أن تتصالح... 
سام… toxique .... ملهِم… محايد.
ثلاثة أنماط، تكتب يومياً سيرة الفعل التربوي، كأي تنظيم  علائقي مهني،  تنتج مخرجات في صمت تقرر مصير الحماس داخل الأقسام.
السام... ؟ هذا الكائن الذي لا تخلو منه منظمة مهنية.... بل تناسل الكثيرون منه... وأصبحوا أقرب للقرار...لا يحتاج إلى صوت مرتفع،
يكفيه أن يتقن “العنف الرمزي” بلباقة إدارية...
يبتسم،
ثم يمرّر سمه كإبر دقيقة في جسد المعنويات... أحيانا باسم الولاء وأحيانا باسم المصلحة العليا... ولا منهج له للإقناع سوى الخنوع وثوب العبد، و" تأليه" الرؤساء، حد التنزيه...يجيد... التملق... والتزلف... وحتى البكاء في جنازة قريب لذوي القرار....
لو أردت معرفته .... فاعلم أنه يخاف من المختلف، فيحوله إلى “ملف”... يثقن الأشاعات... وصناعة الفضيحة، وتزكية الغنيمة في يد الزعيم التافه...
يحول المبدع والمتميز  إلى “مشكلة”....إلى تهديد للقيادة... 
يدير العلاقات كأنها غنائم،
ويحوّل الأخطاء الصغيرة إلى قضايا كبرى...ويعلن النفير ضد الملهم والمختلف....
ليظل هو… مركز الحكم.... رأس بطانة تنتج قيم العبودية لا قيم التميز
في حضوره،
لا تموت الكفاءات دفعة واحدة،
بل تتآكل ببطء،
كما يتآكل الحديد تحت رذاذ خفيف...
أما المُلهِم فيمشي بخفة من يعرف أن الضوء قرار.
لا ينتظر اعترافا من سلطة متقلبة،
بل يزرعه أفقيا..
بين زملائه،
كخبز يومي يكسر عزلة المهنة.
يعرف أن القسم قد يتحول رغم كل شيء...
إلى ملجأ صغير،
حيث يتنفس التلميذ الأمل الذي لا تمنحه المذكرات التنظيمية.
يشتغل على الهامش،
لكن الهامش... الذي يصبح في يده مركزا....
لا يرفع شعارات كبيرة،
بل يؤمن بالانتصارات الصغيرة:
فكرة مشتركة،
مبادرة بسيطة،
مساحة دافئة تعيد للمدرسة شيئا من روحها.
هو لا يقاوم بالصوت،
بل بالاستمرار.
أما المحايد
فيجلس في الصف الخلفي للحياة المهنية.
لا يعترض،
لا ينخرط،
فقط… ينجو مؤقتا...
يقنع نفسه أن الصمت حكمة،
لكن الصمت حين يطول،
يتحول إلى نقمة...
أحيانا يغدو موقفا 
حين يرى التسميم،
فيفهم آلياته،
لكنه مع الأسف يختار أن لا يكون جزءا من القصة.
غير أن الحقيقة القاسية:
أن المدرسة التي يكثر فيها المحايدون،
تُسلم مفاتيحها للسامين والتافهين والمتلمقين والفاشلين...
المعضلة، إذن،
ليست في ندرة المهارات،
بل في هذا الاختلال العميق في “كيمياء العلاقات”،
حينما يصبح الخوف مرجعية تدبير، والتملق أقصر طريق لصاحب القرار ويغدو الحذر مهارة يومية، و الإبداع مغامرة محفوفة بالكلفة....خصوصا في سياقات هشّة، حين يتسلل اللايقين المهني إلى تفاصيل اليوم، فيتقلص سقف الطموح، ويعاد تعريف النجاح… كقدرة على البقاء.
لكن،
رغم هذا الضباب،
هناك  خيار دقيق، بارد، لكنه ممكن.
أن يتحول الفاعل التربوي من الانفعال إلى الاحتراف،
من الشفوي العابر إلى الأثر المكتوب.
فالتوثيق مهما بدا تقنيا،  هو درع ضد المزاج...والتعامل مع الإدارة لا يكون بمنطق الصراع الشخصي،
بل بمنطق “التعاقد المهني”، حيث تضبط المسافات، وتحمى الكرامة دون صدام يحطب لناره التافهون والسامون.
في مواجهة السامّ،
لا تكفي المواجهة الفردية فهي غالبا انتحار مهني...
يلزم ذكاء تكتيكي:
بالتحول ّل من “خصم” إلى “حل”،
أن تقدم مبادراتك بما يخدم صورة المؤسسة،
فتكسب مساحة للحركة داخل القيود.
وفي مواجهة المحايد،
لا تنفع الخطب،
بل الانتصارات الصغيرة:
مساحات تقاسم،
ورشات أفقية،
دوائر ثقة تعيد دفء الانتماء.
أما الملهم، فحاجته ليست إلى تمجيد، بل إلى شبكة تحميه من الاستنزاف.

الحقيقة الخفية هي أن التسميم المهني لا يقتل فجأة، بل يطفئ الحماس بالتقسيط....وأن الاحترافية الباردة رغم قسوتها الظاهرة هي شكل من أشكال حماية الذات، لا نقيض للإنسانية.
المعركة ليست مع أشخاص، بل مع منطق كامل يرى في الإنسان وظيفة، وفي المبادرة تهديدا...
وفي الصمت… فضيلة.
لكن، داخل كل هذا،
يبقى هامش صغير من الحرية،
مساحة دقيقة يمكن أن يتحول فيها المدرس من رقمٍ في منظومة،
إلى أثر في حياة...
في كل صباح،
وأنت تعبر بوابة المؤسسة،
تذكر أن رهانك الحقيقي :هل ستضيف سما جديدا ؟
أم ضوءا
أم… صمتا آخر؟
هناك،
تماما هناك،
يبدأ الإصلاح الحقيقي.

 

 

                                                                         خالد أخازي: كاتب وإعلامي