كتاب لعكاشة برحاب يحلل علاقة المخزن بقبائل المجال الحدودي
يقدم الأستاذ عكاشة برحاب، في مؤلفه التاريخي الجديد: "قبائل المجال الحدودي: طاعة السلطان ومواجهة التوسع الفرنسي (نهاية القرن التاسع عشر)"، عملا بحثيا يضع القارئ أمام مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الشرقي، حيث تتقاطع رهانات السلطة المركزية مع ضغوط التوسع الاستعماري الفرنسي في سياق دولي متحول.
يستحضر المؤلف صورة شرق المغرب كفضاء حظي بعناية خاصة من قبل السلاطين العلويين، خاصة منذ احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830، لحظة مفصلية أعادت تشكيل التوازنات الإقليمية وجعلت المجال الشرقي واجهة تماس مباشر مع قوة إمبريالية صاعدة. هذا التحول منح المنطقة خصوصيات متعددة، في ظل جوار غير متكافئ مع دولة أوروبية متقدمة، مقابل بنية مغربية تعيش إرهاقا تاريخيا عميقا. وتبرز في هذا السياق قبائل المجال الحدودي كفاعل مركزي في معادلة السلطة، ضمن وعي تاريخي تشكل داخل شروط القرن التاسع عشر وتعقيداته.
يتوقف الكتاب عند هذا القرن بوصفه لحظة بلوغ النظام المغربي درجة قصوى من الشيخوخة السياسية، حيث اشتدت الضغوط الخارجية الناتجة عن توسع الدول الرأسمالية في طورها الإمبريالي، بما أفرز وضعا داخليا متصدعا استثمرته الكتابات الأوروبية لتكريس صورة نمطية عن المغرب، عبر قراءة تعزل الظواهر عن أسبابها المباشرة. كما يعيد تفكيك هذه الصورة من خلال مساءلة خلفياتها، واستحضار سياقاتها الفعلية.
ويكتسب المجال الحدودي في هذا العمل دلالة مفهومية تتجاوز المعنى الجغرافي، إذ يمتد من مصب واد كيس شمالا إلى واحة فجيج جنوبا، معبرا عن فضاء دينامي تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد حُددت الفترة المدروسة ما بين 1873 و1900، حيث تتزامن بدايتها مع تولي السلطان الحسن الأول الحكم، بوصفه أحد أبرز سلاطين القرن التاسع عشر، كما تتقاطع مع اعتماد فرنسا سياسة جديدة في غرب الجزائر تروم توسيع نفوذها نحو التراب المغربي، في سياق سعيها إلى استعادة مكانتها الدولية عقب هزيمتها أمام ألمانيا سنة 1871. أما سنة 1900، فتمثل منعطفا سياسيا ارتبط بوفاة الصدر الأعظم أحمد بن موسى، الذي اضطلع بدور محوري في تدبير شؤون الدولة بعد وفاة السلطان الحسن الأول سنة 1894.
ينفتح الكتاب على إشكاليات دقيقة تتصل بطبيعة الأوضاع في شرق المغرب، ومدى تجذر ما ورد في المصادر الفرنسية من توصيفات للفوضى، مع استحضار التحولات التي أعقبت احتلال الجزائر وتوقيع اتفاق لالة مغنية سنة 1845، الذي أعاد رسم الحدود وفرض ترتيبات جديدة انعكست على علاقة القبائل بالسلطة المركزية، وعلى البنيات الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
ويعتمد المؤلف على متن وثائقي مزدوج، يجمع بين الوثائق المغربية الرسمية والوثائق الفرنسية، في مقاربة تحليلية تروم تفكيك علاقة المخزن بالقبائل من جهة، وكشف الاستراتيجيات الاستعمارية الهادفة إلى تقويض سلطة الدولة المغربية من جهة أخرى. ويأتي هذا العمل مكملا لعدد من الدراسات التي تناولت مناطق شرق البلاد، خاصة واحات توات وفجيج وعين بني مطهر، وقضايا الحدود في أبعادها المتعددة.
ويفرد البحث اهتماما خاصا بالإطار الجغرافي والسياق التاريخي لقبائل المجال الحدودي، مع تحليل تقسيماتها وظروفها الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب رصد النظام السياسي المعتمد محليا. وتحظى مدينة وجدة بحضور بارز داخل هذا العمل، باعتبارها مركزا للسلطة المخزنية ونقطة ارتكاز في مواجهة الامتداد الفرنسي على طول الحدود مع الجزائر المحتلة، التي كانت تُدار آنذاك كمقاطعة فرنسية.
ويقدم الكتاب، في محصلته، قراءة متماسكة لخصوصيات علاقة قبائل المجال الحدودي بالسلطة، في ضوء موقعها الجغرافي الحساس، مع إبراز الخطط السياسية التي اعتمدها السلطان دعما لهذه القبائل وتعزيزا لروابطها بالمخزن، في أفق صيانة المجال الترابي ومواجهة التمدد الاستعماري.