ادريس الفينة: البرنامج الحكومي والحصيلة الحكومية.. لماذا لا يهتم المغاربة بما يحدد مصيرهم؟

ادريس الفينة: البرنامج الحكومي والحصيلة الحكومية.. لماذا لا يهتم المغاربة بما يحدد مصيرهم؟ عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية

في كل الديمقراطيات الحية، يشكل البرنامج الحكومي لحظة تعاقد سياسي واضحة بين الحكومة والمواطنين، بينما تمثل الحصيلة الحكومية لحظة محاسبة وتقييم لذلك التعاقد. غير أن المفارقة في المغرب هي أن هاتين اللحظتين، رغم أهميتهما الدستورية والسياسية، لا تحظيان غالبا بالاهتمام الشعبي الذي تستحقانه. والحال أن الأمر لا يتعلق بوثيقتين إداريتين معزولتين، بل بخريطتين أساسيتين: الأولى تقول للمغاربة ماذا تعدهم به الحكومة، والثانية تكشف لهم ماذا تحقق فعلا من تلك الوعود.

 

المشكلة في العمق ليست فقط في ضعف التواصل المؤسساتي، بل في الهوة المتراكمة بين لغة السياسة ولغة المجتمع. فالحكومة تتحدث بلغة المؤشرات والنسب والاعتمادات المالية، بينما المواطن المغربي البسيط يقيس النجاح أو الفشل بمعايير أكثر مباشرة: هل انخفضت الأسعار؟ هل تحسن الدخل؟ هل أصبح التطبيب أيسر؟ هل توفرت فرص الشغل؟ هل المدرسة العمومية استعادت الثقة؟ وعندما لا يجد المواطن صلة واضحة بين الأرقام المعلنة وواقعه اليومي، فإنه يفقد الاهتمام تدريجيا بالبرنامج كما بالحصيلة.

 

ثم إن تراكم التجارب السابقة جعل جزءا من الرأي العام يتعامل مع الخطاب السياسي بكثير من الحذر، بل أحيانا من عدم التصديق. فكم من وعود قيلت في لحظتها بثقة كبيرة، ثم لم يشعر الناس بأثرها الحقيقي في حياتهم؟ لهذا لم يعد المواطن يكتفي بسماع الأرقام، بل يريد أن يرى نتائجها في السوق، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي فرص العيش الكريم.

 

إن أخطر ما في هذا العزوف عن متابعة البرامج والحصائل هو أثره المباشر على جودة الاختيار الانتخابي. فعندما لا يهتم المواطن بمقارنة ما وعدت به الأحزاب وما أنجزته الحكومات، تتحول الانتخابات من لحظة للمحاسبة العقلانية إلى لحظة تحكمها الانطباعات العابرة، أو الغضب الاجتماعي، أو الولاءات الضيقة، أو حتى العزوف الكامل. وهنا تضعف الديمقراطية في جوهرها، لأن التصويت لا يعود مبنيا على تقييم موضوعي، بل على ردود فعل ظرفية.

 

إن المغرب اليوم بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل من البرنامج الحكومي وثيقة للمساءلة، ومن الحصيلة الحكومية أداة للفهم والمقارنة والمحاسبة. فالمواطن الذي لا يهتم بما يُقال في بداية الولاية وما يُنجز في نهايتها، يترك مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي لغيره. لذلك، فإن رفع وعي المغاربة بأهمية هذه اللحظات ليس ترفا فكريا، بل شرطا أساسيا لبناء ديمقراطية أكثر نضجا، وانتخابات أكثر معنى، وسياسة أقرب إلى انشغالات الناس الحقيقية.