الحسين بولبرج، نائب الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي
في ظل تزايد التحديات التي يواجهها القطاع الفلاحي بالمغرب، خاصة مع توالي سنوات الجفاف والاضطرابات الدولية التي هددت الأمن الغذائي الوطني، يقدّم الفاعل النقابي الحسين بولبرج، نائب الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، قراءة نقدية لأسباب تراجع إنتاج الحبوب والزيوت، محذّراً من اختلالات بنيوية في السياسات المعتمدة. ويؤكد بولبرج أن إقصاء الفلاح الصغير، وتراجع الاعتماد على البذور المحلية، واستنزاف الموارد المائية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف السيادة الغذائية، داعياً إلى إجراءات عاجلة تعيد التوازن للقطاع وتعزز استقلالية القرار الفلاحي بالمغرب.
ما هو السبب الجوهري في نظرك لتراجع إنتاج الحبوب والزيوت وتحول المغرب إلى مستورد صافٍ لها رغم الإمكانيات الفلاحية المتاحة؟
إن السبب الجوهري في تراجع الإنتاج يرتبط بغياب دعم الفلاح الصغير في البادية للحفاظ على البذور والأغراس المتأقلمة مع المناخ المحلي والمقاومة للتقلبات المناخية. مقابل اعتماد مقاربة معتمة على تكثيف الإنتاج اعتمادا على البذور والأغراس المستوردة والتي قد لا تتحمل المناخات المحلية والتقلبات المناخية وعدم قدرتها على تحمل هجمات بعض الطفيليات والحشرات الضارة وغيرها. كما أن ندرة المياه واستنزافها من طرف الشركات الكبرى في بعض المناطق أضر بالفلاحين الصغار وتراجع بعضهم عن الإنتاج.
في السبعينيات من القرن الماضي، كانت كل منطقة في المغرب تحافظ على بذور الشعير والذرة وغيرها من الخضروات المتوارثة أبا عن جد، لضمان استمرارية الانتاج والاستقلالية في اختيار المنتوج الفلاحي المناسب. أما الآن فلا تجد هذه البذور الأصيلة عند الفلاح، حيث سجلنا أن عددا من المنظمات الأوروبية وغيرها قامت بتجميع بذور الواحات والمناطق الجبلية وحملتها إلى بلدانها لتخزينها واعتمادها لخلق أصناف جديدة تسجلها في اسمها Licence وتبيعها في الأسواق العالمية.
من جهة آخر، فإن السياسة الفلاحية لا تشجع البحث العلمي الخاص، أو توجيه الدعم إلى قطاع البذور وحماية التربة التي تتهالك باعتماد الفلاحين على المواد الكيماوية لتقويتها وإغنائها بالمعادن الضرورية للنباتات. كما أن الدولة لا تشجع الفلاح الصغير، على بيع منتوجه بثمن مناسب يغطي تكاليف الإنتاج، مما يجعل الفلاح يتراجع عن الاستمرار في مهنته، ولا تشجع على حماية الممارسات الفضلى التقليدية التي ورثها الفلاح وسكان القرى في السابق؛ حيث كان الفلاح يخزّن المنتوج في أماكن تحت الأرض (مطمورة) أو في أماكن مبنية بالطوب والمواد المحلية لضمان نسبة الحرارة المنخفضة للحفاظ على جودة المنتوج لفترة أطول قبل توجيهه للسوق.
كما كان سكان البادية يخزّنون مياه الأمطار في الصهاريج المدفونة (المطفية) لاستعماله في الشّرب أو توريد الماشية، وحتى سقي بعض الأشجار والخضروات في فترات الحرارة.
إن الاعتماد على نموذج/ نظام واحد للإنتاج الفلاحي يجعل القطاع جد هش، ولا يتحمل الصدمات والتقلبات. مما يستدعي الإشتغال على البرامج التنموية التي تتميز بتنوعها وملائمتها للتنوع الأيكولوجي والبيئي لمختلف المناطق الزراعية. كما يجب الإشراك الفعلي لكافة المتدخلين من تقنيين ومهندسين وفلاحين حقيقيين لتجاوز التحديات وتسطير المستقبل على أسس صلبة.
في سياق الصدمات الخارجية كالحرب الأوكرانية، والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط، ما هي أبرز العوائق العملية التي تحول دون بناء مخزون استراتيجي فلاحي قادر على الصمود أمام الأزمات لدى صغار ومتوسطي الفلاحين؟
من المعلوم أن الأزمات كانت دائما عبر التاريخ، وقد خططت الدول والقبائل (خاصة في المغرب) منذ القدم لحماية سيادتها بتوفير مخزون استراتيجي لضمان الغذاء لأبنائها. لكن اليوم هناك لوبيات تتعرض لكل سياسة حكومية قد تحرمها من اقتصاد الريع. ذاك أن وضع برنامج وطني علمي يرتكز على عدة أقطاب لضمان الاحتياجات الغذائية من شأنه أن يحرم المستوردين للحبوب بجميع أنواعها والزيوت وغيرها من المنتوجات من الأرباح السنوية التي يكسبونها.
في هذا السياق نلاحظ فشل أغلب التعاونيات التي تشتغل في الميدان، وتوفر كميات كبيرة من الحبوب والسكر والزيوت والخضر من طرف فلاحين صغار، بسبب سوء التسيير والفساد أدى إلى فقدان الوضع السيادي الذي كان يتمتع به بلدنا في سبعينيات القرن الماضي.
والخلاصة أن ارتباطنا بالاستيراد يجعل المغرب تحت رحمة توفر الإنتاج بوفرة في الدول المصدرة وعدم تعرض للنقل الدولي لأي عرقلة أو تصدع.
كرؤية نقابية ميدانية، ما هي خارطة طريق أو إجراء سيادي عاجل يجب اتخاذه لدعم الفلاح المغربي لاستعادة الأمن الغذائي في المواد الأساسية بدل البحث عنها بالعملة الصعبة في الخارج؟
في رأيي أن أول إجراء عاجل، هو حماية الرأسمال الجيني لكافة المنتجات الفلاحية النباتية والحيوانية في بلدنا. وتوقف وزارة المالية عن التفكير بأرقام مقياسية في قطاع حيوي واستراتيجي مثل القطاع الفلاحي.
لقد أغلقت مصالح وزارة المالية منذ عشرين سنة كافة المحطات التجريبية التابعة للمؤسسات العمومية الفلاحية مما نتج عنه تصدع القطاع وتقوية التبعية للخارج في عدة مسالك النتاج / filières. وهذا يرتبط بجزء من البحث الزراعي الذي يجب أن تعطى له الوسائل والاهتمام اللائق والضروري لضمان السيدة الغذائية.
كما يجب تشجيع انتاج البذور المحلية، من خلال تحفيز المنتجين وإعفائهم من الضرائب، لأن هذا الإجراء يخفف من التبعية للخارج والحماية من الآفات الكارثية التي أصبحت تضرب القطاع بسبب استعمال البذور المعدلة جينيا. كما نرى أنه من الضروري دعم وتشجيع تعاونيات الفلاحين الصغار والمتوسطين الفاعلين، لضمان وفرة المنتوج حسب المواسم الفلاحية.
من جانب آخر، فهناك عدد من الباحثين يقومون بتسجيل براءة الاختراع لعدد من الآليات الفلاحية المناسبة والمتكيفة مع ظروف الزراعيات البورية والجبلية، لكن لا يتم تشجيعهم ومنحهم امكانية إنتاجها بشكل واسع لتخدم الفلاح الصغير.
في اعتقادي الشخصي، هذه بعض المجالات المهمة لإعطاء انطلاقة قوية للبادية المغربية ودعم الفلاح الصغير وتشجيع الشباب على الإبداع في تقنيات الانتاج الملائمة للظروف المناخية لبلادنا.
ومن الإجراءات الأساسية، يجب أن يكون الفلاح الصغير في صلب معادلة وتوزيع الاستثمار في الأراضي الزراعية، سواء منها السلالية، أو أراضي الدولة. مع ضرورة تقليص الحواجز البيروقراطية التي يستطيع تجاوزها الفلاحون الكبار والشركات الكبرى وحدها.