جانب من اللقاء
أطلق وسيط المملكة، حسن طارق، ورشاً مؤسساتياً جديداً يروم التفكير في مؤشرات تقييم الحكامة المرفقية، من خلال تنظيم حلقة نقاشية خصصت لتدشين حوار يجمع بين المؤسسات الوطنية والجامعة والخبراء، بهدف استكشاف إمكانات بناء شبكة وطنية لتحليل وتقييم أداء المرافق العمومية، واختبار الجهود المبذولة لتطوير مؤشر وطني للوساطة المؤسساتية.
وفي مستهل مداخلته خلال هذا اللقاء المنعقد بالرباط يوم الخميس 16 ابريل 2026، توجه وسيط المملكة بالشكر إلى مختلف المؤسسات الوطنية المشاركة، من بينها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوبية السامية للتخطيط، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والمرصد الوطني للتنمية البشرية، إلى جانب ممثلة مؤسسة فريدريش ناومان، والأساتذة الجامعيين والخبراء، مبرزاً أن التفاعل مع هذا الموضوع يعكس وعياً جماعياً بطبيعته المركبة التي تستدعي حذراً منهجياً والتزاماً مهنياً عالياً.
وأكد أن انخراط الباحثين والخبراء في هذا النقاش الإشكالي يعزز رؤية المؤسسة لموضوع المؤشرات من زاوية نقدية، تضع مسافة ضرورية مع رهانات التنميط والانحيازات المعيارية التي تطبع هندسة المؤشرات على الصعيد الدولي.
وأوضح طارق في كلمته، أن منطلق مؤسسة الوسيط، باعتبارها هيئة مرجعية في الشأن المرفقي، يتمثل في المساهمة في بناء نموذج إداري جديد قائم على قيم الخدمة العمومية، ومؤسس على الفعالية والنزاهة والتخليق، وذلك في انسجام مع التوجيهات الملكية المرتبطة بالمفهوم الجديد للسلطة.
واعتبر أن تخصيص هذه الحلقة النقاشية يأتي انطلاقاً من وعي المؤسسة بأهمية المؤشرات في تحليل السياسات العمومية، وبالحاجة إلى بناء شبكة وطنية تستجيب للطلب المتزايد على التقييم والمساءلة والتصحيح، وتعزز في الآن ذاته الدور الدستوري للوسيط كهيئة حكامة وفاعل في النقاش العمومي.
وشدد وسيط المملكة على أن اختيار صيغة الحوار المؤسساتي–المؤسساتي والمؤسساتي–الجامعي ليس مجرد ترتيب تنظيمي، بل يعكس رؤية تعتبر المؤشرات أدوات لقياس أثر السياسات، تتطلب إنتاجاً جماعياً يضمن جودتها ومصداقيتها.
وأوضح أن جودة المؤشرات ترتبط بمدى تمثيليتها ووضوحها وبساطتها، وبمدى توفر معطياتها وقابليتها للاستعمال في القرار العمومي، فضلاً عن حساسيتها للتغير وإمكانية قياسها ومقارنتها، مؤكداً أن إخضاعها للنقاش العمومي والاختبار الحجاجي يشكل ضمانة أساسية لشرعيتها ومدخلاً لبناء مشترك لشبكة مؤشرات تُعنى بقياس أثر السياسات المرفقية.
وفي عرضه لتصور المؤسسة، أبرز طارق أن التفكير في مؤشرات الحكامة المرفقية يرتبط بمدخلين أساسيين: أولهما بناء شبكة تحليل دينامية للحكامة انطلاقاً من الانتداب الدستوري للمؤسسة، وثانيهما إعادة هيكلة التقارير السنوية، كما أعلن عنه في تقرير 2024، اعتماداً على مؤشر وطني للوساطة.
وكشف أن هذا المؤشر يقوم على ثلاثة مكونات مركزية:
مؤشر الطلب على الوساطة، لتحليل طبيعة الطلبات الواردة على المؤسسة؛
مؤشر تفاعل المؤسسة، لقياس فعالية تدبير الشكايات والتظلمات؛
مؤشر تجاوب الإدارة، لتقييم حدود الاستجابة الإدارية لمسار الوساطة.
وأكد أن هذه المقاربة، ومع اقتراب صدور التقرير السنوي، جعلت شبكة تحليل ظاهرة الوساطة أكثر وضوحاً وإنتاجاً للمعنى، وأكثر قدرة على إبراز خريطة الاختلالات وتحولات الأداء المؤسساتي.
وأشار وسيط المملكة إلى أن تقييم الحكامة المرفقية يستند إلى المرجعية الدستورية التي تربط تنظيم المرافق العمومية بمبادئ المساواة والإنصاف المجالي واستمرارية الخدمة، وتحدد معايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
كما أبرز أن الدستور يربط أداء المرافق العمومية بالقيم الديمقراطية، ويُلزم أعوانها باحترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة وخدمة المصلحة العامة، مع ضمان تلقي ملاحظات المرتفقين وتتبع اقتراحاتهم والخضوع للمراقبة والتقييم.
وفي السياق ذاته، استحضر وسيط المملكة مقتضيات القانون رقم 54.19 المتعلق بميثاق المرافق العمومية، الذي يؤطر عمل هذه المرافق بعشرة مبادئ أساسية، تشمل احترام القانون، المساواة، الإنصاف المجالي، الاستمرارية، الجودة، الشفافية، النزاهة، ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتواصل مع المرتفقين.
واعتبر أن التحدي الجوهري يتمثل في قدرة مصمم المؤشرات على الانتقال من معيارية النص القانوني إلى قياس الأثر الفعلي الذي يعيشه المواطن في علاقته اليومية مع الإدارة.
وأكد طارق أن بناء شبكة مؤشرات للحكامة المرفقية، إلى جانب ورش تصميم مؤشر وطني للوساطة، يشكلان هدفاً استراتيجياً مزدوجاً ضمن رؤية المؤسسة للفترة 2025–2030، بما يمكن من تحليل تحولات الطلب على الوساطة، وتقييم الأداء المؤسساتي، وقياس تجاوب الإدارة.
وفي المقابل، شدد على أن هذا التوجه لا يقوم على أي تصور "تقديسي" للمؤشرات، باعتبارها مجرد أدوات لقراءة الواقع ومساعدة صناع القرار والباحثين، وتنشيط النقاش العمومي حول السياسات.
كما نبه إلى أن عدداً من المؤشرات المعتمدة دولياً لا يخلو من خلفيات قيمية وسياسية، داعياً إلى الحفاظ على مسافة نقدية تجاه "سلطة الأرقام" ونزعات التكميم التي قد تختزل تعقيد الواقع.
وأوضح أن المؤسسة اعتمدت في تقاريرها الأخيرة مقاربة تمزج بين المعطيات الإحصائية وتحليل الاتجاهات الكبرى، مع الانفتاح على قراءة الأبعاد الذهنية والعاطفية للشكايات، بما يسمح بفهم أعمق للتحولات التي تعرفها الإدارة المغربية.
واكد حسن طارق على أن المؤشرات وُجدت لتفسير الواقع، وستظل أدوات قابلة للتطوير والمساءلة، محذراً من تحويلها إلى غاية في حد ذاتها، لما قد يترتب عن ذلك من خطر حجب الواقع بدل إضاءته.
وخصصت الجلسة الأولى لموضوع "مؤشرات الحقوق وتجارب المؤسسات الوطنية: نحو حكامة مرفقية قائمة على القياس"، حيث قام بتسييرها مصطفى المروني، مستشار لدى مؤسسة الوسيط، بمشاركة مصطفى الحجامي، رئيس قسم تدبير الشكايات بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
وناقش المتدخلون إدماج مؤشرات حقوق الإنسان في تقييم التدبير العمومي، من خلال مداخلات أكاديمية وعلمية،
وفي الفترة الزوالية تناولت الجلسة الثانية، التي ترأسها سفيان جرضان، مستشار وسيط المملكة، موضوع "مؤشرات الوساطة والحكامة المرفقية"، حيث ناقش المشاركون رهانات قياس نجاعة السياسات العمومية وإكراهات التطبيق.
وفي هذا السياق، قدمت إيمان لقشيري، عضو المكتب التنفيذي لمنتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية مداخلة حول "قياس نجاعة السياسات العمومية بين متطلبات الأداء وإكراهات التطبيق"، فيما تناول أمين محفوظ، أستاذ القانون العام ، إشكالية بناء مؤشرات ملائمة في ضوء المرجعية الدستورية والمؤسساتية المغربية.
من جهته، تطرق الأستاذ أسامة تلفاني إلى حدود المؤشرات الإحصائية في مقاربة واقع معقد، مسلطاً الضوء على إشكالات التجميع والانحياز في عملية القياس.
كما ناقش طه لحميداني،أستاذ العلوم السياسي ،وحقوق الإنسان، في عرضه ل "المؤشر الوطني للوساطة: ملامح تصور مؤسساتي أولي ومداخل البناء المنهجي"، في حاين تناولت مداخلة حميد بلغيت، “المؤشر الوطني للوساطة كأداة لرؤية ما لا يُرى في علاقة المرتفق بالإدارة”.
وقدم عمر وقاد، باحث في حقوق الإنسان قراءة تحليلية بعنوان "من قياس النشاط إلى بناء معرفة بالأثر"، داعياً إلى اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، فيما ركز حمزة عقاري، باحث في السياسات العمومية على بناء مؤشرات الوساطة المرفقية وإنتاجها، من الوظيفة التقويمية إلى توجيه السياسات العمومية"