الصادق العثماني: بين يدي العلّامة محمد يسف… ملامح شيخ في وجدان تلميذه

الصادق العثماني: بين يدي العلّامة محمد يسف… ملامح شيخ في وجدان تلميذه الصادق العثماني ومحمد يسف (يمينا)

ليس من السهل على القلم أن يفي بحقّ رجلٍ امتد أثره في الزمن، وتغلغل حضوره في العقول والقلوب، حتى غدا جزءًا من الذاكرة العلمية والوطنية. ذلك هو حال الحديث عن أستاذنا وشيخنا، العلّامة محمد يسف، الذي لم يكن مجرد أستاذ جامعي يؤدي وظيفة التعليم، بل كان 

مدرسة قائمة بذاتها، تُخرّج الرجال قبل أن تمنحهم الشهادات، وتبني العقول قبل أن تملأها بالمعارف.
تعرفتُ على العلامة الدكتور محمد يسف عن قرب، وأنا طالبٌ يافع في رحاب كلية الشريعة بفاس سنة 1993م، يوم كان عميدًا لها، يحمل همّ العلم ورسالة التربية، ويجمع بين صرامة المسؤولية ورِقّة المربّي . لم يكن حضوره في الكلية عاديًا، بل كان يشيع في أرجائها روحًا من الجدية والانضباط، ممزوجةً بنَفَسٍ تربوي عميق، يُشعر الطالب أنه أمام عالمٍ يُدرك معنى الرسالة التي يحملها.
 

كنا نراه أكثر من عميد؛ كان قدوةً صامتة، تنطق أفعاله قبل كلماته. لم يكن يكتفي بإلقاء المحاضرات أو إدارة الشأن الأكاديمي، بل كان يزرع فينا، دون أن نشعر، معاني الانتماء إلى هذا الدين، والاعتزاز بالثوابت، والوعي بدور العالم في مجتمعه. كانت توجيهاته، وإن بدت عابرة في حينها، تترسخ في النفس، لتظهر آثارها بعد سنوات طويلة، حين ينضج الفهم وتتكشف التجارب .
 

ثم دارت الأيام، وانقضت سنوات الدراسة، وتفرّق الطلبة في مسارات الحياة، يحمل كلٌّ منهم شيئًا من ذلك الغرس المبارك . ولم أكن أعلم أن تلك البذور التي زرعها أستاذنا وشيخنا في قلوبنا، ستنمو يومًا لتُثمر في أرضٍ بعيدة، خارج الوطن، حيث شاء الله أن أكون من المشتغلين بالعلم في المهجر، وأن أتحمل جزءًا من مسؤولية تبليغ الرسالة في سياقات جديدة .
 

وبعد سنوات من الغياب، تجدد اللقاء بشيخنا محمد يسف، لكن هذه المرة في مقامٍ مختلف، وفي سياقٍ يحمل دلالات عميقة. كان ذلك سنة 2008م، حين تشرفت بالمشاركة في الدروس الحسنية الرمضانية، وهي من أبرز المحافل العلمية التي تعكس عناية أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس بالعلم والعلماء، وترسّخ مكانة المغرب كمنارة علمية وروحية .
بهذه المناسبة، قصدتُ مكتب الشيخ في المجلس العلمي الأعلى الذي كان أمينه العام، حيث كان يشرف على تدبير الشأن الديني في إطار رؤية متبصّرة، تستحضر ثوابت الأمة المغربية، وتُجسد مفهوم إمارة المؤمنين في بعدها العلمي والمؤسساتي. دخلتُ عليه مسلّمًا، متلهفًا للقاءٍ طال انتظاره، لكنه لم يتعرف عليّ في بادئ الأمر، وقد غيّرت السنون ملامحي، وأخذتني مسارات الحياة بعيدًا عن صورة الطالب الشمالي الذي كنتُ عليها .
 

فذكّرته بنفسي، وقلت له: كنتُ طالبًا عندكم في كلية الشريعة بفاس، ولا أنسى أبدًا توجيهاتكم. وهنا، تغيّر وجهه، وأشرق بنور الفرح، وكأن الزمن قد عاد به إلى تلك الأيام. قال لي، بلهجة يغمرها الاعتزاز والدهشة: “ما شاء الله… لم أتصور أن أحد طلبتي سيصبح من العلماء المغاربة في بلاد المهجر، ويشارك في الدروس الحسنية!”
 

كانت لحظة إنسانية عميقة، تختزل معنى العلاقة بين العالم وتلميذه، وتُجسد ثمار التربية الصادقة. لم يكن فرحه بي فرحًا شخصيًا، بل كان فرحًا برسالةٍ أثمرت، وبجهدٍ لم يذهب سدى. ثم قال عبارته التي لا تزال ترنّ في أذني: “الحمد لله أن مجهوداتنا لم تذهب سدى.”
في تلك اللحظة، أدركتُ أن العالم الحقيقي لا يقيس نجاحه بما يحققه لنفسه، بل بما يتركه من أثرٍ في غيره. وأن الأستاذ الصادق هو الذي يرى في تلامذته امتدادًا له، واستمرارًا لرسالته. وهكذا كان الشيخ محمد يسف؛ رجلًا يعيش للعلم، ومن أجل العلم، ويقيس نجاحه بمدى حضور هذا العلم في واقع الناس .
 

لقد كان للعلامة محمد يسف حفظه الله وأطال عمره، دورٌ محوري إلى جانب معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ، في صياغة وتدبير السياسة الدينية بالمغرب خلال العقود الأخيرة، حيث ارتبط اسمه بإعادة هيكلة الحقل الديني، وتعزيز مرجعيته القائمة على الثوابت الوطنية، في إطار إمارة المؤمنين. ولم يكن ذلك مجرد عمل إداري أو تنظيمي، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا، يسعى إلى حماية الهوية الدينية للمغرب، وترسيخ الوسطية والاعتدال، ومواجهة مختلف التحديات التي قد تعصف بتماسك المجتمع.
 

إن تجربته في المجلس العلمي الأعلى لم تكن تجربة عابرة، بل كانت محطة مفصلية في تاريخ المؤسسة الدينية بالمغرب، حيث عمل على تأطير العلماء، وتوحيد الرؤية، وتفعيل دور المجالس العلمية في التأطير الديني والتوجيه المجتمعي. وكان حريصًا على أن يظل العلم مرتبطًا بالواقع، وأن يؤدي العالم دوره في الإرشاد والتوجيه، بعيدًا عن الانغلاق أو الانفصال عن قضايا الناس.
وإذا كان الشيخ قد أسهم في بناء المؤسسات، فإنه قبل ذلك أسهم في بناء الإنسان. فقد كان يؤمن أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح العقول، وأن ترسيخ القيم لا يتم إلا عبر التربية العميقة، التي تجمع بين العلم والعمل، وبين الفهم والالتزام. ولهذا، كان حضوره التربوي لا يقلّ أثرًا عن حضوره العلمي والإداري.
 

لقد علّمنا، دون أن يصرّح، أن العلم ليس ترفًا فكريًا، بل مسؤولية أخلاقية، وأن العالم ليس مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل هو شاهدٌ على عصره، ومسؤولٌ عن توجيه أمته. وكان يربط دائمًا بين العلم والثوابت، بين الاجتهاد والانضباط، بين الانفتاح والمرجعية. وهي معادلة دقيقة، لا يُحسن تحقيقها إلا من رسخ قدمه في العلم، واتسع أفقه في الفهم.
 

ومن موقع تجربتي في بلاد المهجر، أدركتُ أكثر قيمة ذلك التوجيه الذي تلقيناه منه. فقد وجدتُ نفسي في سياقاتٍ مختلفة، تحتاج إلى فقهٍ خاص، وإلى قدرةٍ على التفاعل مع واقعٍ متعدد الثقافات. وهنا، برز أثر المدرسة التي تخرجنا منها، والتي أسسها أمثال العلامة محمد يسف، حيث تعلمنا كيف نحافظ على الثوابت، ونحن ننفتح على العالم، وكيف نُبلّغ رسالة الإسلام بلغةٍ يفهمها الناس، دون أن نفرّط في جوهرها.
إن الحديث عن الشيخ، في هذا المقام، هو في حقيقته حديث عن جيلٍ من العلماء، حملوا همّ الدين والوطن، وأسهموا في بناء نموذج مغربي متميز في تدبير الشأن الديني، يقوم على الوسطية، والاعتدال، وربط الدين بمصالح الناس. غير أن الشيخ محمد يسف يظل من أبرز رموز هذا الجيل، بما جمعه من علمٍ راسخ، ورؤيةٍ متبصّرة، وخبرةٍ ميدانية.
 

وإذا كانت المؤسسات تحفظ أسماء القادة في سجلاتها، فإن القلوب تحفظ أسماء المربين في ذاكرتها الحية. وهكذا، سيظل اسم الشيخ حاضرًا في وجدان كل من تتلمذ عليه، أو تأثر به، أو اقتفى أثره. فهو من أولئك الذين لا ينتهي أثرهم بانتهاء مناصبهم، بل يستمر عبر الأجيال، في صورة تلامذةٍ يحملون الرسالة، ويواصلون المسير.
لقد كان لقائي به، بعد تلك السنوات، بمثابة إعادة وصلٍ بين الماضي والحاضر، بين البذرة والثمرة، بين الأستاذ والتلميذ. وكان تذكيرًا بأن طريق العلم، وإن طال، فإنه لا يضيع، وأن الجهد الصادق لا يذهب سدى، كما قال الشيخ.
 

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أعبّر عن امتناني العميق لهذا الرجل، الذي كان له فضلٌ كبير في توجيهي، وفي تشكيل جزءٍ من مساري العلمي. وأسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يبارك في عمره وعمله، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يرزقنا جميعًا الإخلاص في القول والعمل.
 

تلك ليست مجرد كلمات في حق أستاذ، بل هي شهادة وفاء، واعتراف بجميلٍ لا يُنسى، وامتدادٌ لعهدٍ تربويٍّ يربط بين الأجيال، ويؤكد أن العلم، حين يُؤخذ عن أهله، يتحول إلى نورٍ يهدي في دروب الحياة، ويصنع من الإنسان شاهدًا على القيم، وحاملًا لرسالة الخير في كل زمان ومكان 

الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية