محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية بالمعهد الجامعي وفي الإطار تبون (يمينا) إلى جانب البابا
في سياق زيارة بابا الفاتيكان للجزائر، أثار استقبال الرئيس عبد المجيد تبون لممثل تنظيم البوليساريو ضمن الوفد الرسمي جدلا واسعا. يقدم محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية، قراءة تحليلية عميقة لهذا الحدث، تربط بين التحولات الدينية في الجزائر وسياساتها الخارجية المثيرة للجدل.
قبل إجراء قراءة لا بد في البداية من فهم سياق وخلفيات زيارة بابا الفاتيكان للجزائر.
أولاً: تشير المعطيات أن أكثر من خمس كاثوليك العالم يعيشون بإفريقيا: أي نحو مليون 288 شخص، وفق أرقام عام 2024، ما يجعلها واحدة من أسرع مناطق العالم نموًا بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، هذا المعطى يطرح سؤالًا جوهريًا، هل تصبح الجزائر "محجًا" للمسيحيين الكاثوليك في العالم بعد أن أصبحت من بين البلدان الإفريقية التي تعرف تشيعًا حيث يلاحظ اعتناق عدد كبير من السكان الجزائريين للمذهب الشيعي الإيراني تحت مرأى وعيون السلطات الجزائرية بالنظر إلى علاقتها الوطيدة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية؛ وهو معطى قد يفسر التزايد الملحوظ في عدد المسيحيين الكاثوليك بأرض المليون شهيد، مادامت الجزائر تفتقد إلى هوية دينية وثقافية جامعة ومانعة تحفظ الأمن الروحي والثابت الديني للمجتمع الجزائري، ثم لا ننسى أن الهوية الجزائرية وإن كانت تستمد روافدها من الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية والعربية، إلا أنها عرفت تصدّعًا في الفترة الاستعمارية الطويلة التي خضعت لها الجزائر حيث كانت تعتبر إحدى المقاطعات الفرنسية، وبالتالي لا نستغرب من تزايد اعتناق المسيحية بهذا البلد المغاربي.
بالنسبة لاستقبال تبون لممثل تنظيم البوليساريو ضمن وفد الاستقبال الرسمي لبابا الفاتيكان، هو أمر تخاله طبيعيا وعاديا لأن الجزائر دأبت في كل المناسبات على حشر ممثلي التنظيم الانفصالي الإرهابي في كل المنتديات الدولية والإقليمية لتلميع صورة الجبهة التي أصبحت خارج معطيات التاريخ والجغرافيا السياسية والأجندات الجيوسياسية، فالجزائر دائما تخلط بين السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة، فهمها الوحيد هو تقديم كل الدعم للجبهة بدون الأخذ بعين الاعتبار السياق والخلفيات والمناسبات، مادامت سياساتها الخارجية مبنية على أطروحة بالية.
ولعل ما يؤكد هذا الطرح هو أن أهداف زيارة بابا الفاتيكان لم تعر أي اهتمام لهذا الجانب، بل أن تصريحات البابا كانت تحمل رسائل قاسية لحكام قصر المرادية، فهو يوجه انتقادات ضمنية لاذعة لوضع الحريات العامة والوضع الديمقراطي بالجزائر بشكل عام، حيث دعا البابا ليو أن الرابع عشر في مستهل كلمته سلطات الجزائر إلى تفعيل المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاقتصادية وتعزيز حرية المجتمع المدني حيث قال: "... إن قوة البلد الحقيقية هي في تعاون الجميع لتحقيق الخير العام، فالسلطات ليست مدعوة إلى السيطرة، بل إلى خدمة الشعب وازدهاره". وأضاف بابا الفاتيكان: "أدعوكم، أنتم أصحاب السلطة في هذا الوطن، إلى عدم الخوف من هذه الرؤية (المشاركة الشعبية)، وإلى تعزيز مجتمع مدني نابض بالحياة..."؟ فهل يهتدي حكام قصر المرادية بتوجيهات البابا أم أنهم في غيهم وجبروتهم قابعون؟