منير الطاهري: من التجربة الروحية إلى المؤسسة

منير الطاهري: من التجربة الروحية إلى المؤسسة منير الطاهري

يجمع عدد من الباحثين في علم الاجتماع الديني وفلسفة الدين على أن الدين، في جوهره الأول، لم يكن سوى تجربة روحية فردية عميقة، يعيشها الإنسان في علاقته المباشرة مع المطلق. غير أن هذه التجربة، مع مرور الزمن، تخضع لمسار معقد من التحول، ينتقل بها من فضاء الذات إلى مجال الجماعة، ومن الإحساس الداخلي إلى البناء المؤسسي المنظم.


لقد قدم الأنبياء، في بداياتهم، رؤى أخلاقية وإصلاحية مرتبطة بسياقاتهم التاريخية والاجتماعية. هذا ما يؤكده ماكس فيبر في تحليله لمفهوم “السلطة الكاريزمية”، حيث يرى أن الشخصية النبوية تستمد قوتها من قدرتها على إحداث قطيعة أخلاقية مع الواقع القائم. غير أن هذه الكاريزما لا تظل في حالتها النقية، بل سرعان ما تتحول إلى ما يسميه فيبر “روتنة الكاريزما”، أي انتقالها إلى مؤسسات وقواعد وأنظمة.


في هذا السياق، لا يعود الدين مجرد فكرة أو دعوة أخلاقية، بل يصبح “متناً سردياً” متكاملاً، تُنسج حوله الحكايات، وتُضفى عليه أبعاد رمزية وأسَطورية. فالإنسان، كما يشير ميرسيا إلياد، يميل إلى تقديس الحكاية أكثر من الفكرة، لأن الحكاية تمنحه إحساساً بالانتماء والهوية. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى “حارس” لهذه الهوية، يتجسد في شخصية المفسر أو رجل الدين، الذي يدّعي امتلاك المعنى الحقيقي للنص.


ومع نشوء هذا الدور، يبدأ التحول الحاسم: من “المقدس” بوصفه تجربة مفتوحة، إلى “اللاهوت” بوصفه نسقاً مغلقاً. يميز بول تيليش بين الإيمان الحي الذي يتجاوز الصياغات، وبين اللاهوت الذي يسعى إلى تقنين هذا الإيمان داخل منظومات فكرية محددة. وهنا يصبح النص مركز السلطة، لا بوصفه خطاباً مفتوحاً، بل كمرجع نهائي يحتكر تأويله فاعلون اجتماعيون محددون.


لقد شهدت الحضارات القديمة انتقالاً نوعياً في تمثل السلطة: من “الجسد المقدس” حيث كان الملك يُنظر إليه كإله أو ظلٍّ له، إلى “النص المقدس” الذي يحل محل الجسد كمصدر للشرعية. هذا التحول، الذي يمكن ربطه أيضاً بتحليلات ميشيل فوكو حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، يجعل من التحكم في التأويل أداة مركزية للهيمنة. فمن يملك تفسير النص، يملك توجيه الجماعة، بل والتحكم في مصائرها.


في هذا الإطار، لا يُعد تضخيم السرد الديني مجرد ميل جمالي أو مبالغة عفوية، بل هو في كثير من الأحيان عملية أيديولوجية تهدف إلى إضفاء الشرعية على نظام قائم أو سلطة ناشئة. فلكي يتحول المصلح إلى نبي في المخيال الجمعي، غالباً ما يُحاط بهالة من الخوارق والمعجزات، ويُعاد تشكيل سيرته ضمن بناء أسطوري يتجاوز واقعه التاريخي. وهكذا ينتقل من كونه فاعلاً اجتماعياً إلى رمز فوق تاريخي.


إن هذا “الانتقال من التاريخ إلى الميثولوجيا” هو ما يمنح الدين قدرته على التعبئة والاستمرار، لكنه في الوقت ذاته قد يحوّله من بوصلة أخلاقية إلى قيد اجتماعي. فبدلاً من أن يحرر الإنسان، قد يصبح أداة لضبطه وإخضاعه، خصوصاً عندما يُحتكر تأويله داخل مؤسسات مغلقة.


في هذا السياق النقدي، يندرج المنظور الذي يدافع عنه اليسار الجديد، والذي يسعى إلى إعادة التفكير في الدين خارج القوالب التقليدية، من خلال تفكيك العلاقة بين المقدس والسلطة. يستند هذا التيار إلى مرجعيات متعددة في النظرية النقدية والفلسفة السياسية، ويعتبر أن تحرير الدين من قبضة المؤسسة هو شرط أساسي لتحرير الإنسان نفسه.


يرى هذا التيار أن الدين يجب أن يُفهم بوصفه تجربة روحية وأخلاقية فردية، لا كجهاز إيديولوجي مهيمن. ومن ثم، يدعو إلى إعادة قراءة النصوص الدينية قراءة تاريخية نقدية، تميز بين السياق الأصلي للنص وبين التأويلات اللاحقة التي خضعت لمصالح سياسية واجتماعية.


يؤكد اليسار الجديد على أن حرية المعتقد تمثل حجر الزاوية في أي مشروع ديمقراطي حديث. فالإيمان، وفق هذا المنظور، لا يمكن أن يكون حقيقياً إلا إذا كان اختياراً حراً، بعيداً عن الإكراه الاجتماعي أو القانوني. ولذلك، يدافع عن الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي، بما يضمن حياد الدولة وحماية التعددية.


ولا يسعى هذا الطرح إلى إقصاء الدين، بل إلى إعادة إدماجه في المجال العمومي بوصفه مورداً أخلاقياً وثقافياً، لا أداة للهيمنة. إنه انتقال من “دين السلطة” إلى “دين القيم”، حيث يصبح الدين عاملاً في تعزيز الحرية والعدالة، بدل أن يكون وسيلة للضبط والسيطرة.


من هنا تبرز الحاجة، في السياق المعاصر، إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والتاريخ، وفك الاشتباك بين التجربة النبوية في بعدها الإنساني، والبناء الأسطوري الذي شُيّد حولها عبر القرون. فالحقيقة، كما يرى كثير من المفكرين، غالباً ما تكون أبسط وأقل إثارة من الأسطورة، لكنها أكثر قدرة على تحرير الوعي وإعادة الإنسان إلى جوهر القيم التي جاء بها الدين في الأصل: قيم الحرية، والعدالة، والكرامة.


إن استعادة هذا البعد الأخلاقي للدين لا تعني نفي تراثه أو تقويضه، بل تعني إعادة قراءته قراءة نقدية، تميّز بين ما هو تاريخي وما هو أسطوري، وبين ما هو إنساني وما هو مؤسساتي. وحدها هذه القراءة قادرة على إعادة الدين إلى مجاله الطبيعي: كقوة معنوية تُلهم الإنسان، لا كسلطة تُقيده.