الصادق العثماني: التصوف الإسلامي السني وإشكالية التنظيم.. نحو رؤية قانونية إصلاحية تجديدية بالمملكة المغربية

الصادق العثماني: التصوف الإسلامي السني وإشكالية التنظيم.. نحو رؤية قانونية إصلاحية تجديدية بالمملكة المغربية الصادق العثماني

يُعدّ التصوف الإسلامي السني أحد أعمدة البناء الروحي في الحضارة الإسلامية، وركيزة أساسية في تربية النفوس وتهذيب الأخلاق، إذ يمثل مقام الإحسان الذي عبّر عنه الحديث النبوي الشريف: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ومن هذا المنطلق، كان التصوف عبر القرون مدرسةً لتزكية القلوب، ومجالاً لصناعة الإنسان الرباني الذي يجمع بين ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة، في توازن دقيق بين العمل والسلوك، وبين العلم والذوق . غير أن هذا المجال الجليل، بما يحمله من قداسة ومعانٍ سامية، لم يسلم في واقعنا المعاصر من مظاهر الانحطاط والتخلف، التي ألقت بظلالها على صورته، وأثّرت في مصداقيته، وأضعفت دوره في بناء الفرد والمجتمع .
لقد نشأ التصوف السني في حضن الكتاب والسنة، وتربى على أيدي أئمة جمعوا بين العلم والعمل، فكانوا نماذج في الزهد والورع، بعيدين عن الغلو والانحراف. وكان التصوف في أصله سلوكًا عمليًا يهدف إلى تصفية القلب من الأدران، وتحريره من علائق الدنيا، وتوجيهه نحو الله تعالى . ولم يكن يومًا طريقًا للكسل أو الانعزال السلبي، بل كان مدرسةً للحياة، تُخرج رجالًا يسهمون في إصلاح المجتمع، وينشرون قيم الرحمة والعدل والمحبة .
غير أن التحولات التاريخية والاجتماعية التي عرفها العالم الإسلامي، خاصة في العصور المتأخرة، أدّت إلى دخول عناصر غريبة على التصوف، وانحراف بعض ممارساته عن جوهره الأصيل . فظهرت مظاهر شكلية طغت على الروح، وانتشرت طقوس لا تستند إلى أصل شرعي واضح، وتحول بعض المنتسبين إلى التصوف إلى مجرد مقلدين لا يفقهون معاني ما يمارسون . بل إن البعض استغل هذا المجال لتحقيق مصالح دنيوية، فاختلط الحق بالباطل، وارتبك ميزان التمييز لدى العامة .
ومن أبرز مظاهر الانحطاط التي يمكن رصدها في بعض الأوساط الصوفية، غياب التأصيل العلمي، وضعف التكوين الشرعي، مما أدى إلى انتشار مفاهيم مغلوطة حول التوكل، والكرامات، والولاية . كما لوحظ في بعض الحالات تقديس الأشخاص إلى حدّ يخرج عن حدود الاعتدال، حيث يُرفع الشيخ إلى مقام لا يليق إلا بالله أو برسله، ويُطلب منه ما لا يُطلب إلا من الخالق . وهذا الانحراف يُعدّ خطرًا على العقيدة، ويُفرغ التصوف من محتواه التربوي، ويحوّله إلى طقوس فارغة .
كما أن غياب التنظيم المؤسسي في بعض البلدان، ومنها المغرب، ساهم في فتح المجال أمام من هبّ ودبّ لادعاء الانتساب إلى التصوف، دون توفر الشروط العلمية والأخلاقية اللازمة . فظهرت طرق ومجموعات لا تمتّ إلى التصوف السني بصلة، بل تُسيء إليه من حيث لا تشعر، أو ربما عن قصد. وهذا الواقع يفرض على العلماء والمفكرين، وعلى شيوخ الطرق الصوفية، مسؤولية كبيرة في إعادة النظر في هذا القطاع، والعمل على تنظيمه وتقنينه، بما يحفظ له مكانته، ويصون رسالته .
إن الدعوة إلى تجديد التصوف السني لا تعني القطيعة مع التراث، بل تعني العودة إلى أصوله النقية، واستحضار مقاصده الكبرى، وتكييف وسائله مع متطلبات العصر. فالتجديد هنا هو إحياء، وليس إلغاء؛ وهو تصحيح، وليس تشويه. ويتطلب هذا التجديد أولاً إعادة الاعتبار للعلم الشرعي، وجعله أساسًا لكل ممارسة صوفية، بحيث لا يُقبل سلوكٌ إلا إذا كان منضبطًا بالكتاب والسنة، ومؤيدًا بفهم العلماء الراسخين .
كما يقتضي هذا التجديد الاهتمام بالتربية الروحية الحقيقية، التي تقوم على المجاهدة والمراقبة والمحاسبة، بعيدًا عن المظاهر الشكلية والادعاءات الفارغة. فالتصوف ليس لباسًا يُرتدى، ولا كلمات تُردد، بل هو حال يُعاش، وسلوك يُترجم في الأخلاق والمعاملات. ومن هنا، فإن إعادة بناء الإنسان الصوفي تبدأ من الداخل، من القلب، من النية، من الصدق مع الله .
ومن الخصوصيات التي ينبغي استحضارها في سياق الحديث عن التصوف السني في المغرب، ما تميّز به التصوف المغربي من أدوار تاريخية رائدة، خاصة في مجال نشر الإسلام في القارة الإفريقية، ولهذا لم يكن التصوف المغربي مجرد تجربة روحية محلية، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا، ساهم في بناء جسور التواصل الديني والثقافي بين المغرب وعمقه الإفريقي. حيث اضطلع شيوخ الزوايا والطرق الصوفية، عبر قرون، بمهمة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، معتمدين في ذلك على القدوة الحسنة، والسلوك القويم، والاندماج الإيجابي في المجتمعات المحلية.
وقد لعبت الطرق الصوفية المغربية - سواء في شماله أو جنوبه-  دورًا محوريًا في نشر الإسلام في مناطق واسعة من غرب إفريقيا، حيث أسهمت في ترسيخ العقيدة الإسلامية، ونشر اللغة العربية، وتعزيز القيم الأخلاقية، دون اعتماد الإكراه أو العنف، بل من خلال التأثير الروحي والتربوي العميق. كما شكّلت الزوايا مراكز للعلم والتربية، ومؤسسات اجتماعية تؤدي وظائف متعددة، من التعليم إلى الوساطة الاجتماعية، مما جعلها عنصر استقرار داخل المجتمعات الإفريقية.
إن هذا البعد الإفريقي للتصوف المغربي يمنحه خصوصية متميزة، ويُبرز قدرته على التفاعل الإيجابي مع الثقافات المختلفة، وعلى تقديم نموذج إسلامي معتدل ومنفتح، يجمع بين الثبات على الأصول والانفتاح على الواقع. غير أن هذه الخصوصية، بما تحمله من رصيد تاريخي ومكانة رمزية، تفرض اليوم مسؤولية مضاعفة في الحفاظ عليها، وصيانتها من كل أشكال التوظيف غير المشروع أو الانحراف عن مقاصدها الأصلية.
ومن جهة أخرى، فإن تنظيم القطاع الصوفي في المغرب من خلال إطار قانوني واضح، يُعدّ خطوة ضرورية لضبط هذا المجال، ومنع التلاعب به. فالقانون يمكن أن يحدد شروط تأسيس الطرق، ومعايير اختيار الشيوخ، وآليات المراقبة والتقييم، بما يضمن الشفافية والمصداقية. كما يمكن أن يُسهم في حماية المريدين من الاستغلال، ويُعزز الثقة في المؤسسات الصوفية.
غير أن هذا التنظيم لا ينبغي أن يكون إداريًا صرفًا، بل يجب أن يستند إلى رؤية فكرية وروحية عميقة، تُشرك العلماء والفقهاء والمربين، وتستحضر خصوصية التصوف كعلم ذوقي لا يُقاس فقط بالمعايير الظاهرة. فالتحدي هو تحقيق التوازن بين الحرية الروحية والانضباط المؤسسي، بين الأصالة والمعاصرة، بين الفردية والجماعية.
كما أن على شيوخ الطرق الصوفية أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية في هذا السياق، من خلال مراجعة مناهجهم التربوية، والانفتاح على النقد البناء، وتكوين أطر مؤهلة قادرة على قيادة هذا المجال بكفاءة ووعي. فالمجتمع اليوم في حاجة إلى خطاب روحي متزن، يُعيد له السكينة في زمن الاضطراب، ويُرشده إلى القيم في زمن التشتت.
وفي الختام، فإن التصوف السني، بما يحمله من كنوز روحية، قادر على أن يستعيد دوره الريادي في بناء الإنسان والمجتمع، إذا ما تمّ تصحيحه وتجديده في إطار من الحكمة والبصيرة. وإن مسؤولية هذا الإصلاح تقع على عاتق الجميع: علماء، ومفكرين، وشيوخ، ومؤسسات. فإما أن ننهض بهذا التراث ونُعيد له بريقه، أو نتركه عرضة للضياع والتشويه. ومقام الإحسان الذي هو جوهر التصوف، يستحق أن يُصان، وأن يُقدّم للأجيال في صورته النقية، كما أراده الله ورسوله، وكما عاشه الصالحون عبر العصور.


الصادق العثماني- أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية