عبد الباسط مروى: هل يُسلَّم القرار العلاجي لرأس المال؟ التحولات الصامتة في مهنة طب الأسنان بالمغرب....

عبد الباسط مروى: هل يُسلَّم القرار العلاجي لرأس المال؟ التحولات الصامتة في مهنة طب الأسنان بالمغرب.... عبد الباسط مروى

يشهد قطاع الصحة بالمغرب، في سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، تحولات تشريعية وتنظيمية عميقة تمس عدداً من المهن الصحية، وفي مقدمتها مهنة طب الأسنان.
وتبرز هذه التحولات من خلال ثلاثة مسارات متزامنة:
● مشروع قانون مزاولة مهنة طب الأسنان، ومشروع تعديل القانون 65-00 المتعلق بالتغطية الصحية الأساسية – خاصة ما يرتبط بحذف المادة 44 – إضافة إلى التوسع المتسارع في الترخيص لكليات طب الأسنان.
وإذا كان الإصلاح التشريعي ضرورة موضوعية لمواكبة التحولات التي يعرفها القطاع الصحي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تتجه هذه الإصلاحات نحو تعزيز استقلالية الممارسة الطبية، أم أنها تمهد – بشكل تدريجي – لانتقال المهنة من فضاء الرسالة الإنسانية إلى فضاء الرسملة ومنطق السوق؟
● رأس المال داخل المؤسسة العلاجية 
من بين أبرز المستجدات التي يثيرها مشروع قانون مزاولة المهنة، إمكانية مساهمة مستثمرين – أشخاصاً ذاتيين أو معنويين – في رأسمال مؤسسات العلاج.
قد يبدو هذا التوجه للوهلة الأولى مجرد آلية لتنظيم الاستثمار في القطاع الصحي، غير أن الأمر في العمق يمس فلسفة الممارسة الطبية ذاتها.
فالتنظيم المهني للمهن الصحية الحرة استقر تاريخياً على مبدأ أساسي مفاده أن القرار العلاجي مسؤولية شخصية للطبيب، وأن هذا القرار يجب أن يبقى مستقلاً عن أي تأثير مالي أو تجاري.
لكن عندما يصبح رأس المال شريكاً في المؤسسة العلاجية، يبرز احتمال انتقال مركز الثقل من الضمير المهني إلى منطق المردودية الاقتصادية، وهو تحول قد يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الطبيب على الحفاظ على استقلالية التشخيص والخطة العلاجية في بيئة تحكمها اعتبارات الاستثمار.
● التغطية الصحية وتضارب المصالح 
أما بخصوص تعديل القانون 65-00 المتعلق بالتغطية الصحية الأساسية، فإن النقاش يتركز بشكل خاص حول حذف المادة 44، التي كانت تؤسس لفصل واضح بين تدبير نظام التغطية الصحية وتقديم العلاجات.
لقد كان هذا الفصل يهدف إلى تفادي تضارب المصالح، بحيث لا يجتمع في جهة واحدة دور الممول أو المدبر ودور مقدم العلاج.
وحذف هذا المقتضى قد يفتح الباب أمام تداخل الأدوار بين التمويل والعلاج، وهو وضع قد تكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على القرار الطبي.
فالفصل بين التمويل والعلاج ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو ضمانة أخلاقية وقانونية لحماية استقلالية الطبيب، كما أنه حماية لحق المريض في تلقي علاج موضوعي غير خاضع لأي ضغط مالي.
● التوسع في التكوين دون تخطيط في المقابل،يعرف قطاع التكوين في طب الأسنان توسعاً متسارعاً من خلال الترخيص لعدد متزايد من الكليات، وهو أمر قد يكون إيجابياً إذا تم في إطار تخطيط وطني يربط بين عدد الخريجين والحاجيات الصحية الفعلية للبلاد، وبين التوزيع المجالي وجودة التأطير العلمي.
غير أن غياب هذا التخطيط قد يؤدي إلى اختلالات بنيوية في سوق العمل الصحي، حيث قد يتحول فائض العرض من الأطباء إلى عامل ضغط يعيد تشكيل المهنة في اتجاه نماذج مؤسساتية كبرى، تضعف فيها تدريجياً استقلالية الممارسة الفردية للطبيب.
●مهنة علاجية قبل أن تكون نشاطاً اقتصادياً: 
إن مهنة طب الأسنان، مثلها مثل باقي المهن الطبية، ليست نشاطاً تجارياً صرفاً، بل ممارسة علاجية ذات بعد إنساني وأخلاقي، تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها:
▪︎استقلالية القرار العلاجي؛
▪︎أولوية مصلحة المريض؛
▪︎المسؤولية الشخصية للطبيب أمام القانون والضمير؛
▪︎الفصل الواضح بين منطق العلاج ومنطق الاستثمار.
وأي إصلاح لا يضع هذه المبادئ في صلبه قد يؤدي – ولو بشكل غير مقصود – إلى إدخال المهنة تدريجياً في دينامية السوق والاحتكار، وهو ما قد ينعكس على طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض.
بين التحديث والحفاظ على روح المهنة :
إن إثارة هذه التساؤلات لا تعني بأي حال رفض الإصلاح أو معارضة تحديث المنظومة الصحية، بل تهدف إلى التأكيد على أن تطوير القطاع ينبغي أن يتم في إطار يحفظ روح المهنة ورسالتها الإنسانية.
فالتحديث الحقيقي للمنظومة الصحية لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بعدد المؤسسات العلاجية، بل يقاس أيضاً بمدى الحفاظ على استقلالية الطبيب، وأخلاقيات الممارسة، وحق المواطن في علاج نزيه قائم على العلم والضمير المهني...

خاتمة 
"الخطر الحقيقي ليس في الاستثمار في الصحة، بل في أن يصبح القرار العلاجي خاضعاً لمنطق الاستثمار. فعندها لن تختفي فقط استقلالية الطبيب، بل ستبدأ العيادات الفردية في الذوبان أمام البنيات العلاجية الرأسمالية الكبرى، بما يحمله ذلك من إفلاسات متزايدة وإقصاء مهني، خصوصاً في صفوف الأطباء ...

 

 عبد الباسط مروى 
الكاتب العام للفدرالية الوطنية لنقابات أطباء الأسنان بالقطاع الحر بالمغرب