مصطفى الخداري: يدٌ ومشمومُ ورد من يوميات رجل تعليم في هولندا

مصطفى الخداري: يدٌ ومشمومُ ورد من يوميات رجل تعليم في هولندا مصطفى الخداري

لم تمضِ إلا أسابيع قليلة على حفل توديع الأستاذة ساندرا، حتى عادت إلى المؤسسة زائرةً لا عاملة. كان حفلًا أنيقًا، كما تقتضي الأعراف: كلمات امتنان مصقولة، باقة زهور أكبر من المعتاد، وتصفيق طويل بدا وكأنه يختصر سنوات من العطاء. قيل يومها إنها “ستظل دائمًا جزءًا من روح المدرسة”. جملة جميلة، تصلح للبطاقات أكثر مما تصلح للحياة.

حضرت ساندرا في استراحة الزوال، تحمل سلة فواكه صغيرة. لم تكن زيارة رسمية، بل التفاتة وفاء. أرادت أن ترى الوجوه التي شاركتها ضجيج الصباحات، وأن تشمّ رائحة الطباشير التي لازمت أصابعها ثلاثة عقود. كانت تمشي في الممر بخفة من يعود إلى بيته الأول. عيناها تلمعان بفرح بسيط، كأنها تستعيد زمنًا لم يبتعد بعد.

دخلت قاعة الأساتذة، فنهض بعضهم مجاملة، وتبادلوا معها التحية. غير أن الدفء الذي توقّعته لم يكن حاضرًا. كلمات مقتضبة، ابتسامات سريعة، أسئلة بلا امتداد. شيء ما في الجو كان باردًا، كأن الذاكرة نفسها وضعت مسافةً احترازية.

لم تمضِ دقائق حتى بدأت القاعة تفرغ.
“أعتذر، لدي مكالمة مهمة”
“أشعر ببعض التعب، سأغادر”
“موعد مستعجل”

توالت الأعذار كما تتوالى أوراق خريفٍ لا يريد أن يُبقي على شيء. حتى باب المدير، الذي اعتاد أن يبقى مفتوحًا كرمزٍ للشفافية، أُغلق في ذلك اليوم بإحكام غير معلن.

بقيت ساندرا وحدها تقريبًا. وضعت الفاكهة على الطاولة، جلست قليلًا، ارتشفت ما تبقى في كأس الشاي، ثم نهضت بهدوء. لم يكن في ملامحها غضب، بل دهشة خفيفة، كأنها تكتشف فجأة قانونًا لم يُدرَّس لها من قبل: في بعض المؤسسات، الذاكرة قصيرة، والوظيفة أطول من صاحبها.

وأنا أراقب المشهد في سنتي الأولى بالديار الهولندية، شعرت بشيء ينقبض في صدري. لم أكن أعرف ساندرا إلا معرفة عابرة، لكنني كنت أعرف معنى أن يُمحى المرء من دفتر الحضور بمجرد أن يتوقف عن التوقيع.

بعد نهاية الحصة، قصدت مكتب المدير. كان يتقن الفرنسية، وكنت أجد في حديثنا فسحة أُسائل فيها ما يعترضني من ظواهر. أخبرته بما رأيت، وبأن في الأمر قسوة لا تليق بتاريخ امرأة أفنت عمرها في خدمة هذه الجدران.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال ببرود الواقعي الذي لا يرى في الأمر غرابة:
“هنا، ما إن تغادر - مهما طالت سنوات عطائك - يُطوى اسمك.
تكون محظوظًا إن نلت يدًا تصافحك… ومشمومَ ورد”

خرجت من عنده وأنا أفكر: هل المسألة قسوة أفراد، أم فلسفة مجتمع؟
هنا تُقاس العلاقات بحدود الدور الوظيفي. ما دمت تؤدي مهامك، فأنت جزء من المنظومة. فإذا انتهى دورك، أعادت المنظومة ترتيب صفوفها دون التفاتٍ إلى الوراء. لا ضغينة في الأمر، ولا حقد. فقط براغماتية صافية، باردة، تشبه نظام القطارات الذي لا ينتظر متأخرًا.

لكن الإنسان ليس قطارًا.

تذكرت مدارس العالم القروي في المغرب، حيث يظل المعلم “سي فلان” حتى بعد التقاعد، يُستشار في شؤون القرية، ويُدعى إلى الأعراس، وتُذكر مآثره في المجالس. قد لا تكون هناك هدايا فاخرة ولا خطب منمقة، لكن الذاكرة هناك أطول، والاعتراف أبقى.

في اليوم الموالي، علمت أن ساندرا أرسلت رسالة قصيرة تشكر فيها الجميع على “لحظة اللقاء”. كانت رقيقة كعادتها. لم تعاتب أحدًا. وربما أدركت، بحكمة السنين، أن الزمن المؤسسي لا يشبه الزمن الإنساني.

غير أن تلك الزيارة علّمتني درسًا مبكرًا:
المؤسسات، مهما بلغت دقتها، لا تملك قلبًا.
والقلب - إن غاب - لا تعوّضه الأنظمة.

قد يُمنح المرء عند خروجه يدًا للمصافحة ومشموم ورد، لكن ما يبقى حقًا ليس الباقة ولا التصفيق، بل الأثر الذي يزرعه في القلوب. ذلك الأثر لا تشطبه لوائح، ولا تغلق دونه الأبواب.

ومنذ ذلك اليوم، كلما دخلت قاعة الأساتذة، سألت نفسي:
هل نُدرّس أبناءنا موادّ فقط، أم نُدرّسهم أيضًا كيف يحفظون الجميل؟

تلك هي العبرة التي تركتها ساندرا خلفها، دون أن تقصد:
أن الوفاء ليس إجراءً إداريًا…
بل تربية.

 



مصطفى الخداري /نائب مديرمدرسة سابق في الديار الهولندية