عثمان بن شقرون
هل آن الأوان لننزع القناع عن أكذوبة النشر التي استوطنت مشهدنا الثقافي؟ فخلف عناوين الكتب اللامعة، تختبئ ماكينة لجباية المبدعين، حيث لم يعد الناشر شريكاً في المغامرة، بل تحول إلى وسيط مطابع يضمن ربحه من جيب الكاتب ومن دعم الدولة، تاركاً المبدع وحيداً في مواجهة فراغ التداول. فهل نحن نواجه خللاً عرضياً، أو بنية متكاملة تُنتج الوهم كقيمة موازية للكتاب: وهم الاعتراف، ووهم الشرعية، ووهم الوصول.
في التصور الكلاسيكي، كان الناشر شريكاً في المغامرة الثقافية، يراهن برأسماله على نص، ويخاطر بخسارته. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة. لقد انتقلنا من اقتصاد يقوم على المخاطرة إلى اقتصاد قائم على جباية الكاتب. ونعني بالجباية هنا؛ تحول دار النشر إلى سلطة تحصيل مالي تفرض على المبدع دفع كلفة الإنتاج مسبقاً، مضافاً إليها هامش ربح الناشر، في مقايضة مجحفة تستغل حاجة الكاتب إلى الاعتراف وشرعنة وجوده عبر غلاف مطبوع. في هذا النموذج، لم يعد الناشر يستثمر في النص كقيمة معرفية، بل في قلق المؤلف وتوقه للحضور، محولاً عملية النشر من فعل استثماري في الإبداع إلى عملية استخلاص جبائي تضمن للناشر ربحه الصافي قبل أن يلمس الورق آلات المطبعة.
هذا الاستخلاص المسبق يترك الكاتب في مواجهة مصير بائس؛ فبعد أن يدفع كلفة الطبع من قوت يومه، ويُطبع كتابه، يُترك وحيداً أمام فراغ التداول. في تلك اللحظة، يكتشف المبدع أنه لم ينشر كتاباً بقدر ما اشترى احتمالاً هشاً للحضور؛ فيتحول قسراً من منتج للمعنى إلى بائع متجول لأثره، يطوف به في المقاهي "الثقافية" والمنتديات في محاولة بائسة لاسترداد كلفة حلم موقّع باسمه، لكنه يثقل كاهله مادياً ومعنوياً، ليكتشف في النهاية أن الناشر لم يبع له خدمة ثقافية، بل باعه عبئاً إضافياً.
إن الأزمة لا تتوقف عند حدود الاستنزاف المادي، بل تمتد لتسمم الجانب الرمزي؛ حيث لم يعد النشر مؤشراً على القيمة الأدبية أو العلمية، بل أصبح امتيازاً قابلاً للشراء. نحن أمام تضخم رمزي مرعب: انفجار في عدد العناوين مقابل انحسار حاد في الأثر الثقافي. هذا الاستغلال الناعم ينجح لأنه يقتات على سيكولوجيا المبدع، ذاك الكائن المسكون بقلق الحضور والباحث دوماً عن صدى في فراغ التداول، ليتدخل نظام النشر بعرض اعتراف مشروط: "ادفع… وسنمنحك شكل الكاتب".
والأخطر من ذلك هو التواطؤ المكشوف في هندسة النجاح الوهمي؛ إذ نجد نصوصاً تفتقر لأدنى مقومات الأهلية الإبداعية، ومع ذلك تُحاط بهالة الأكثر مبيعا وتنتقل، في ظرف وجيز، من طبعة أولى لم يطرق بابها قارئ، إلى سلسلة طبعات متتالية. وهي في الجوهر ليست سوى طبعات مجهرية لا يتعدى حجمها مائة نسخة في أبعد الحدود، تُستغل أرقامها كأداة تضليلية لصناعة مجد زائف، وإيهام المتلقي بوجود حركة قرائية هي في الحقيقة مجرد ضجيج صامت مُتفق عليه بين وسيط يبيع الورق وكاتب يشتري الواجهة.
لقد أُجهز تماماً على لجان القراءة وغُيبت الأمانة العلمية لصالح ماكينة طبع تمنح صكوك الإبداع عبر بريق الغلاف لا عبر عمق المحتوى. إن هذا الضجيج المتعمد لا يكتفي بإغراق الساحة بالرداءة، بل يطمس المعايير النقدية، ويجعل التمييز بين الإبداع الحقيقي والابتذال الممول مسألة ضبابية في وعي القارئ.
كان يُفترض أن يشكّل الدعم الثقافي العمومي آلية لتصحيح الاختلال البنيوي في سوق الكتاب، لكنه بفعل منطقه الإجرائي تحول إلى أداة لتكريسه. فبموجب القوانين المنظمة، يُربط الدعم بالناشر كشرط إلزامي، مما يجعل الكاتب رهينة ومجرد عنصر تبريري في ملف المحاسبة.
والواقع يكشف عن حلقة مفرغة من الاستغلال، تُغطي المنحة العمومية تكاليف الطباعة، مما يعني أن الناشر لا يغامر بدرهم واحد من رأسماله. ومع ذلك، يستحوذ الوسيط على حصة الأسد من النسخ المدعومة ليبيعها في المعارض والمنصات كربح صافٍ مُعفى من أي مخاطرة استثمارية. في المقابل، يُكافأ الكاتب بـفتات من النسخ، يُلقى إليه كصدقة أدبية لا كحق مادي، ليضطر في النهاية إلى توزيعها يدوياً كـإهداءات تكرس عزلته ولا تضمن أي ربح مادي على الإطلاق.
هذا الخلل لا يتوقف عند جيب الناشر، بل يمتد ليضرب وظيفة الكتاب ذاتها؛ فالناشر الذي ضمن ربحه مسبقاً من صندوق الدولة لا يعود معنياً بجودة التوزيع أو احترافية التسويق. وهكذا يكتمل المشهد بحلقة توزيع موسمية عقيمة، تجعل وجود الكتاب مرهوناً بحدث عابر (معرض الكتاب) لا بدورة قراءة حقيقية مستدامة. إننا أمام نظام يُموّل الوسيط ليطبع، لكنه لا يضمن أن يُقرأ الكاتب، مما يجعل المال العام يصب في جيوب الوسطاء بدلاً من أن يروي عطش الحقل الثقافي.
وإذا كان هذا المنطق يشتغل في السوق العام، فإنه يبلغ ذروته داخل الفضاء الجامعي. في ظاهرة مقلقة، يتحول الكتاب الجامعي إلى سوق مضمونة سلفاً؛ حيث يجد الطالب نفسه زبوناً قسرياً مطالباً باقتناء مؤلفات أستاذه كشرط ضمني للنجاح. هنا، تنتفي الحاجة إلى اختبار النص داخل فضاء نقدي مفتوح، ويتحول الموقع المؤسسي إلى ريع معرفي صامت يفرض تداول النصوص بآليات خارج قيمتها الإبداعية.
أمام هذا الانسداد البنيوي، لم يعد النشر الإلكتروني المفتوح مجرد بديل تقني، بل أضحى موقفاً أخلاقياً ووجودياً يفرض أسئلته الحارقة: هل يمكن للكاتب أن يستعيد سيادته على نصه خارج منطق الوساطة الذي يحوّل الاعتراف إلى سلعة؟ وهل يملك الجرأة لكسر النظام الرمزي الذي يجعل من النشر الورقي، ولو المموَّل ذاتياً، طقس عبور إلزامي نحو الاعتراف؟
إن النشر المفتوح لا يقدّم وعداً بالحرية بقدر ما يضع الكاتب أمام مفترق قاسٍ، بين تحرير النص من منطق الجباية، وإلقائه في فضاء لا يعترف إلا بما يطفو وحده فوق ضجيج التراكم. إنها مفارقة معقدة، كلما اتسعت حرية النشر، تقلّصت ضمانات المعنى. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة العلاقة التي يعيد هذا الفضاء تشكيلها: علاقة بلا وسيط، بلا إذن، وبلا سلطة تصديق. هل نحن أمام استعادة سيادة المبدع على أثره، أم أمام انتقاله من وصاية السوق إلى قلق المجهول؟ وفي العمق، لا يعود السؤال بين نظام وفوضى، بل بين شكلين من اللايقين: لايقين مُقنّن يُشترى بثمن، ولايقين مفتوح يُدفع فيه ثمن الوجود نفسه داخل الضجيج.
إن استعادة كرامة الإبداع تعني بناء أفق لا يحتاج فيه الكاتب إلى أن يساوم على ما يكتب، ولا أن يدفع ليُقرأ، ولا أن يتحول إلى وسيلة لإغناء غيره. الكتاب ليس سلعة إلا حين يُفرغ من معناه، والإبداع لا يعيش إلا حين يُصان من تغوّل السوق وجشع الوسطاء.