عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وإدريس الفينة
لا تكمن أهمية الإصلاح الجديد المتعلق بالتنمية الترابية فقط في ضخامته المالية أو في طابعه المؤسساتي، بل في كونه يحمل إمكانية انتقال نوعي في طريقة اشتغال الدولة المغربية داخل المجال. فالمسألة لم تعد مقتصرة على توزيع اعتمادات أو إطلاق مشاريع متفرقة، بل أصبحت تتعلق بإعادة بناء العلاقة بين القرار العمومي، والحاجات الترابية، والنتائج التنموية المنتظرة.
إن جوهر هذا التحول يتمثل في الانتقال من نموذج كانت فيه أولويات التنمية تحدد أساسًا من المركز، إلى نموذج يفترض أن تنبثق فيه البرامج من تشخيصات سوسيو-اقتصادية محلية ومن حاجات يعبّر عنها المواطنون والمواطنات على صعيد العمالات والأقاليم والجهات. وبهذا المعنى، فإن المغرب لا يراجع فقط آليات الاستثمار العمومي، بل يعيد تعريف فلسفة التدخل الترابي للدولة.
هذا التحول مهم من زاويتين. الأولى سياسية ومؤسساتية، لأنه يوسع منطق القرب والالتقائية والمسؤولية الترابية. والثانية اقتصادية، لأنه يرفع احتمال أن تصبح الاستثمارات العمومية أكثر تطابقًا مع الحاجات الفعلية، وبالتالي أكثر مردودية من حيث النمو والتشغيل وتقليص الفوارق.
منطق جديد في التخطيط: من الإنفاق إلى الاستهداف
الابتكار الحقيقي في هذا الإصلاح هو أنه ينقل التنمية من منطق “البرامج المعيارية” إلى منطق “الاستجابة الترابية”. فحين تُبنى الأولويات انطلاقًا من تشخيصات محلية، تصبح الدولة أقرب إلى توجيه الاستثمار نحو الخصاص الحقيقي: الماء، الصحة، التعليم، الطرق، الربط، التأهيل الاقتصادي، والمراكز القروية الصاعدة.
اقتصاديًا، هذا التحول شديد الأهمية. ففعالية كل درهم من الإنفاق العمومي لا تتحدد فقط بحجمه، بل بدرجة استهدافه. والاستثمار الموجه إلى حاجات واقعية محلية تكون له، في الغالب، إنتاجية اجتماعية ومجالية أعلى من الاستثمار الذي يُصرف وفق منطق إداري موحد لا يميز بما يكفي بين المجالات المتقدمة والمجالات الهشة.
غلاف مالي غير مسبوق وآثاره المحتملة
حين نتحدث عن غلاف مالي يقارب 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، فنحن أمام متوسط سنوي يناهز 26.25 مليار درهم. وهذا المبلغ لا يمثل فقط مجهودًا ماليًا معتبرًا، بل يشكل كتلة استثمارية يمكن، إذا تم توجيهها وتنفيذها بفعالية، أن تُحدث أثرًا مضاعفًا في الاقتصاد الترابي.
وبالاعتماد على مقاربة سيناريوهية مبنية على مضاعفات الاستثمار العمومي، يمكن اقتراح ثلاثة سيناريوهات تحليلية تقريبية:
السيناريو الاول:
إذا افترضنا أن الأثر المضاعف للاستثمار الترابي يظل محدودًا نسبيًا بسبب بطء التنفيذ أو ضعف الالتقائية، عند مستوى يتراوح بين 1.2 و1.4، فإن الاستثمار السنوي البالغ 26.25 مليار درهم قد يولد أثرًا اقتصاديًا إجماليًا يتراوح تقريبًا بين 31.5 و36.8 مليار درهم سنويًا.
وفي هذا السيناريو، يمكن أن يضيف البرنامج ما بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية إلى النمو السنوي في المتوسط، خاصة إذا تركز الأثر في الأشغال والبنيات الأساسية والخدمات الترابية.
السيناريو المتوسط:
أما إذا افترضنا نجاعة تنفيذ متوسطة، وتكاملًا أفضل بين الجهات والدولة، وفعالية أعلى في استهداف المشاريع، مع مضاعف استثماري بين 1.5 و1.8، فإن الأثر الاقتصادي الإجمالي السنوي قد يتراوح بين 39 و47 مليار درهم.
وفي هذه الحالة، يمكن أن يرفع البرنامج النمو الوطني أو الجهوي المجمع بما بين 0.6 و0.9 نقطة مئوية سنويًا خلال فترات الذروة في التنفيذ.
السيناريو المتفائل:
وفي حال نجاح الإصلاح المؤسساتي الموازي، وتسارع الإنجاز، وتحسن الحكامة، وارتفاع مساهمة الاستثمار الخاص المكمل، فإن مضاعف الاستثمار قد يقترب من 2.0 في بعض المجالات، ما يعني أثرًا اقتصاديًا سنويًا قد يصل إلى نحو 52 مليار درهم.
وفي هذا السيناريو، قد يبلغ الأثر على النمو نقطة مئوية كاملة تقريبًا في بعض السنوات، مع انعكاس أوضح على التشغيل وجاذبية الجهات الأقل استفادة.
هذه الأرقام بطبيعة الحال ليست توقعات رسمية، بل تقديرات نموذجية أنجزتها تساعد على فهم الحجم الممكن للأثر، وتبقى مرتبطة بفرضيات التنفيذ والتمويل وجودة الانتقاء وفعالية الاطر التي سوف تشرف على هذا الورش الكبير.
أثر مباشر وواسع على العالم القروي
إذا كان البرنامج مرشحًا لإحداث أثر وطني عام، فإن أهم انعكاساته قد تظهر في العالم القروي، لأنه المجال الذي راكم تاريخيًا أكبر قدر من الخصاص في البنيات الأساسية والخدمات والربط المجالي.
في المناطق القروية، يمكن تمييز أربعة أنواع من الأثر:
أولًا: تقليص العزلة المجالية
كل تحسن في الطرق والمسالك والتجهيزات الأساسية ينعكس فورًا على كلفة التنقل، والولوج إلى المدارس والمراكز الصحية والأسواق والإدارات.
وفي نماذج التنمية الترابية، يؤدي خفض زمن الوصول إلى الخدمات الأساسية بنسبة تتراوح بين 15% و30% إلى تحسن واضح في مؤشرات الالتحاق المدرسي، والمتابعة الصحية، والتبادل الاقتصادي المحلي.
إذا تمكن البرنامج من توجيه ما بين 20% و25% من استثماراته إلى مشاريع فك العزلة والربط والتجهيز بالمجالات الهشة، فمن الممكن أن يشمل الأثر مئات الجماعات والمراكز القروية، مع ما يترتب عن ذلك من خفض تدريجي في الفوارق بين القروي والحضري.
ثانيًا: دعم الاقتصاد القروي المحلي
الاستثمار في الطرق والماء والتجهيزات الصحية والتعليمية لا يخلق فقط خدمة عمومية أفضل، بل يخلق كذلك سوقًا محلية أكثر حيوية.
فعادة ما يؤدي الإنفاق على البنية التحتية إلى تشغيل مباشر في البناء والأشغال العمومية، ثم إلى تشغيل غير مباشر في النقل، التجارة الصغيرة، الخدمات، والصناعات المحلية.
وباعتماد نسب تشغيل تقريبية مستعملة في تحليل مشاريع الاستثمار العمومي، يمكن تقدير أن كل مليار درهم من الاستثمار الترابي قد يرتبط، بشكل مباشر وغير مباشر، بما بين 8 آلاف و15 ألف فرصة شغل سنوية مؤقتة أو مرتبطة بسلسلة الإنجاز، بحسب طبيعة المشروع وكثافته التشغيلية.
وعليه، فإن البرنامج في متوسطه السنوي قد يساند، في فترات الإنجاز القصوى، ما بين 200 ألف و350 ألف فرصة شغل مباشرة وغير مباشرة بمفهوم الأثر السنوي الإجمالي، مع بقاء جزء منها مؤقتًا بطبيعة الحال.
ثالثًا: الاستقرار الديمغرافي والحد من الهجرة القروية
العالم القروي لا يهاجر فقط بسبب ضعف الدخل، بل أيضًا بسبب ضعف الخدمات الأساسية وانعدام أفق محلي للحياة الكريمة.
وحين تتحسن المدرسة، ويقترب المركز الصحي، وتتراجع الهشاشة المائية، وتتحسن قابلية التنقل، يصبح البقاء في المجال القروي أقل كلفة وأكثر معقولية.
ولذلك يمكن افتراض أن تحسنًا ملموسًا في البنيات والخدمات قد يساهم، على المدى المتوسط، في خفض ضغط الهجرة القروية الصافية في بعض الأقاليم، أو على الأقل في تبطيء وتيرتها. وحتى لو لم يوقف هذا النزوح كليًا، فإنه قد يحوله من هجرة اضطرارية إلى تنقل اقتصادي أكثر اختيارية.
رابعًا: رفع مردودية النشاط الفلاحي وشبه الفلاحي
حين تتحسن المسالك والتخزين والربط والخدمات المائية، ترتفع قدرة الفاعلين المحليين على تثمين المنتجات، والربط بالأسواق، وتقليص الضياع والكلفة.
وفي بعض النماذج الاقتصادية المحلية، يمكن لتحسن الولوج والتجهيز أن يرفع القيمة المضافة لبعض الأنشطة الترابية والفلاحية بنسبة تتراوح بين 5% و12% على المدى المتوسط، إذا اقترن ذلك بالتأطير والاستثمار الخاص المكمل.
الهندسة المؤسساتية الجديدة وأثرها على النجاعة
واحدة من أهم نقاط القوة في الإصلاح هي اعتماده على بنية ثلاثية المستويات: محلية، وجهوية، ووطنية. هذه الهندسة ليست فقط تنظيمًا إداريًا، بل محاولة للتوفيق بين ثلاث ضرورات متلازمة:
* القرب من الحاجات الحقيقية على المستوى المحلي
* الانسجام المجالي على المستوى الجهوي
* التعبئة والقيادة الاستراتيجية على المستوى الوطني
هذا الترتيب، إذا اشتغل بفعالية، من شأنه أن يرفع معدل الالتقائية بين القطاعات. والالتقائية هنا ليست مفهومًا إداريًا مجردًا، بل عاملًا حاسمًا في النجاعة. فالمشكل في عدد من البرامج العمومية لا يكون في غياب الموارد فقط، بل في تشتت المسؤوليات، وتكرار التدخلات، وضعف التنسيق بين الفاعلين.
ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الإصلاح يمكن أن ينعكس ليس فقط في حجم المشاريع المنجزة، بل في تحسن جودة الإنفاق العمومي نفسه.
التحول إلى شركات مساهمة: نحو اقتصاد عمومي أكثر سرعة؟
من أجرأ عناصر الإصلاح تعويض الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع بشركات مساهمة يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات. وهذا التحول ينطوي على رهان مزدوج: الحفاظ على الرقابة والحكامة العمومية، مع اكتساب مرونة أكبر في التدبير والتنفيذ.
ومن منظور اقتصادي مؤسساتي، فإن هذا الخيار قد يؤدي، إذا تم تأطيره جيدًا، إلى:
* تقليص آجال اتخاذ القرار
* تسريع الصفقات والتنفيذ
* تحسين تتبع الكلفة والنتائج
* الرفع من منطق المسؤولية التدبيرية
وإذا افترضنا أن هذا التحول سيمكن من تقليص متوسط آجال الإنجاز بنسبة تتراوح بين 10% و20% مقارنة بالهياكل التقليدية، فإن الأثر لن يكون إداريًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا، لأن تسريع الإنجاز يعني تسريع دخول المشاريع إلى طور الخدمة والإنتاج الاجتماعي.
غير أن هذا النجاح يبقى رهينًا بجودة الحكامة، ووضوح المساءلة، وقوة الرقابة، وتفادي تحويل المرونة إلى هشاشة في الضبط.
التنمية العامة: أثر محتمل على النمو، التشغيل، والتماسك الترابي
على المستوى الوطني العام، يمكن اختصار الأثر المرتقب لهذا البرنامج في خمسة مستويات مترابطة:
1. رفع النمو الترابي
بفضل ضخ استثمار سنوي مهم في المجالات، يمكن أن تتحول التنمية الترابية من مجرد سياسة تصحيحية إلى رافعة للنمو الوطني نفسه، خصوصًا إذا استفادت الجهات الأقل استفادة من حصة معتبرة من المشاريع.
2. تحسين التشغيل
الأثر على التشغيل سيكون في مرحلتين:
* مرحلة أولى مرتبطة بالأشغال والإنجاز
* مرحلة ثانية مرتبطة بتحسن جاذبية المجالات وازدهار النشاط المحلي
وفي هذا الإطار، قد يكون الأثر الصافي المستدام على التشغيل أقل من الأثر الإجمالي المرحلي، لكنه قد يظل مهمًا إذا تحول جزء من البنيات المنجزة إلى قاعدة لاستثمار خاص جديد.
3. تقليص الفوارق الترابية
إذا تم اعتماد معايير توزيع تقوم على الخصاص والحاجة لا فقط على الوزن الديمغرافي أو الجاهزية الإدارية، فإن البرنامج قد يساهم في تقليص الفجوة في الولوج إلى الخدمات الأساسية بين الجهات والمجالات.
4. تقوية الجهوية كأداة للتنمية
القيمة الكبرى لهذا الإصلاح أنه قد يخرج الجهوية من بعدها القانوني والمؤسساتي المجرد إلى بعدها الاقتصادي الفعلي، أي أن تصبح الجهة فاعلًا تنمويًا لا مجرد فضاء إداري لتصريف السياسات.
5. رفع الثقة في الفعل العمومي
المنصة الرقمية، والافتحاص السنوي، والتشخيص المحلي، كلها عناصر من شأنها أن ترفع من شفافية التتبع.
وحين يصبح المواطن قادرًا على تتبع برمجة المشاريع وتقدمها، تنتقل الدولة من منطق الوعد إلى منطق الأثر المرئي والقابل للقياس.
لكن النجاح ليس آليًا
رغم الطموح الكبير، فإن نجاح هذا البرنامج ليس مضمونًا بشكل تلقائي. فهناك خمس شروط حاسمة ستحدد ما إذا كان هذا الإصلاح سيبقى إطارًا واعدًا أو سيتحول إلى نقلة فعلية:
* وضوح معايير توزيع المشاريع بين الجهات
* جودة الانتقاء وعدم خضوع الأولويات لمنطق التوازنات الظرفية
* نجاعة القيادة الجهوية والمحلية
* صرامة التتبع والتقييم
* ربط الإنفاق بالمؤشرات لا فقط بمعدلات الصرف
فإذا اختلت هذه الشروط، قد يتحول الغلاف المالي الكبير إلى مجرد توسع في الإنفاق دون أثر تنموي مكافئ. أما إذا توافرت، فإن المغرب قد يكون أمام فرصة حقيقية لإعادة تشكيل خريطته التنموية على أسس أكثر عدلًا وفعالية.
إن الإصلاح الجاري لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد برنامج استثماري إضافي، بل باعتباره محاولة لإعادة تركيب الدولة الترابية المغربية على أسس جديدة: التشخيص المحلي، التمويل الكبير، الحكامة متعددة المستويات، التنفيذ المرن، والرقابة القائمة على النتائج. وبالمنطق الاقتصادي، فإن 210 مليارات درهم ليست فقط رقمًا ماليًا، بل قدرة كامنة على توليد أثر مضاعف في النمو والتشغيل والعدالة المجالية، إذا تم تحويلها من اعتمادات إلى مشاريع ذات جودة، ومن مشاريع إلى خدمات وفرص، ومن خدمات وفرص إلى تنمية محسوسة في حياة الناس. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لهذا البرنامج لا يكمن فقط في حجم ما سيُنفق، بل في نوع الأثر الذي سيُنتج:
هل سيعيد التوازن بين الجهات؟
هل سيمنح العالم القروي شروط استقرار وإقلاع جديد؟ هل سيجعل الجهوية أداة فعلية لخلق الثروة وتقليص الفوارق؟إذا تحقق ذلك، فلن يكون الأمر مجرد إصلاح إداري، بل تحولًا فعليًا في النموذج التنموي الترابي للمغرب.