تُعدّ الأمراض القلبية الوعائية اليوم العبء الصحي الأوّل على المستوى العالمي والوطني، وفي ما يلي أبرز المعطيات والإحصائيات الموثوقة الصادرة عن المنظّمات الدولية والهيئات الصحية الوطنية، والتي تكشف حجم هذا التحدّي وتُبرز الأهمية القصوى لمؤتمر طب القلب الذي انعقد بمراكش من 09 إلى 11 أبريل 2026.
على المستوى العالمي
تتسبّب الأمراض القلبية الوعائية في وفاة شخص من بين كل ثلاثة أشخاص في العالم، وهي السبب الأوّل للوفيات على الإطلاق، مع ارتفاع عدد الوفيات السنوية الناجمة عن هذه الأمراض من حوالي 13.1 مليون وفاة سنة 1990 إلى ما يقارب 19.2 مليون وفاة سنة 2023، وفق دراسة العبء العالمي للأمراض (GBD) الصادرة في 2025.
في سنة 2023 وحدها، أُصيب نحو 240 مليون شخص في العالم بأمراض الشرايين التاجية الإقفارية (Ischemic heart disease)، بينما عانى حوالي 122 مليون شخص من أمراض الشرايين الطرفية في الأطراف السفلى.
وتتجاوز نسبة الوفيات الواقعة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسّط 75% من إجمالي الوفيات القلبية العالمية، ممّا يُبرز عدم المساواة الكبير في النفاذ إلى العلاج.
كما يُعدّ ارتفاع الضغط الشرياني الانقباضي العامل الرئيسي الأوّل المساهم في عبء أمراض القلب عالمياً، إذ تسبَّب لوحده في نحو 10.8 مليون وفاة سنوياً.
إن تلوّث الهواء تسبب في حوالي 4 ملايين وفاة قلبية سنة 2023، ليصبح من أبرز عوامل الخطر البيئية للأمراض القلبية.
الوضع بالمغرب: 38% من الوفيات بسبب أمراض القلب والشرايين
عن الوضع في المغرب، فإنه منذ عقود عرف تحوّلاً وبائياً وديموغرافياً يتميّز بتراجع الأمراض المعدية وتصاعد الأمراض غير السارية، وفي مقدّمتها أمراض القلب والشرايين التي أصبحت أوّل سبب للوفيات في البلاد. إذ
تتسبّب في حوالي 38% من مجموع الوفيات بالمغرب، أي ما يعادل 4 وفيات من كل 10، حسب تقديرات منظّمة الصحة العالمية.
وتتجاوز الوفيات السنوية الناجمة عن هذه الأمراض 100.000 حالة سنوياً.
وتبلغ نسبة انتشار ارتفاع الضغط الشرياني (HTA) لدى الساكنة البالغة 18 سنة فما فوق حوالي 29.3%، حسب المسح الوطني STEPS لسنة 2018، وهي نسبة ترتفع تدريجياً مع التقدّم في السنّ لتصل إلى 69.3% لدى الأشخاص البالغين 70 سنة فأكثر.
كما يعاني أكثر من 10 ملايين مغربي من ارتفاع الضغط الشرياني، أي ما يقارب ثلث السكان البالغين.
يُقدَّر عدد المصابين بداء السكري (وهو أحد أبرز عوامل الخطر القلبي) بما يفوق مليونَي مغربي، فيما يبلغ عدد الأشخاص في وضعية بدانة حوالي 3 ملايين. وأكثر من ثلث السكان لم يسبق لهم أن قاسوا ضغطهم الشرياني ولو مرّة واحدة في حياتهم، ممّا يُفاقم من ظاهرة التشخيص المتأخّر.
تُمثّل الكثافة الطبية في تخصّص أمراض القلب تحدّياً حقيقياً، إذ لا يتجاوز عدد أطبّاء القلب بالمغرب حوالي 16 طبيباً لكل مليون نسمة، وهو رقم يبقى دون المعايير الدولية.
إن عوامل الخطر القلبي الوعائي بالمغرب هي:
ارتفاع الضغط الشرياني (البالغون) حوالي 29.3% — أكثر من 10 ملايين مغربي، داء السكري أكثر من مليونَي مصاب البدانة حوالي 3 ملايين شخص، فرط الكوليسترول نحو 29% من السكان البالغين. إضافة إلى عوامل سلوكية (التدخين، التغذية غير الصحية، الخمول البدني، استهلاك الكحول)، وعوامل سريرية (ارتفاع الضغط، السكري، فرط الكوليسترول)، وعوامل بيئية (تلوّث الهواء، التعرّض للرصاص، الإجهاد).
من خصائص الأمراض القلبية الوعائية، وتجعلها تحدّياً صحّياً معقّداً، طابعها الصامت والمتدرّج: كثير من الحالات تتطوّر دون أعراض واضحة لسنوات، فلا تُكتشف إلا في مراحل متقدّمة أو عند وقوع حادث قلبي حادّ.
وهناك الترابط الوثيق بالأمراض المزمنة الأخرى، خاصّةً السكري والفشل الكلوي.
وتمثل الأمراض القلبية الوعائية ثقلا اقتصاديا واجتماعيا كبيرت، حيث تُكلّف المنظومات الصحية مليارات الدراهم سنوياً، وتتسبّب في فقدان سنوات عديدة من الحياة الصحية.
كما أثبتت الدراسات الحديثة أنّ الاكتئاب والقلق والإجهاد المزمن يُضاعفون الخطر القلبي الوعائي، كما ترتفع نسبة الحوادث القلبية في فترات موجات الحرّ الشديد.
عن الحلول البديلة والمقاربات الوقائية
في ظلّ هذا الوضع، تُوصي الجهات الصحية الوطنية والدولية بجملة من الحلول والمقاربات البديلة التي ناقشها مؤتمر ربيع طب القلب، وأولاها أهمّية بالغة لمناقشتها.
على المستوى الفردي:
اعتماد نظام غذائي متوازن من نوع البحر الأبيض المتوسّط، غني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة وزيت الزيتون، وفقير بالملح (أقلّ من 5 غرامات يومياً) والدهون المشبعة والسكّريات، ممارسة النشاط البدني المنتظم بمعدّل لا يقلّ عن 30 دقيقة يومياً، أو 150 دقيقة أسبوعياً من النشاط المعتدل،
الإقلاع التامّ عن التدخين بجميع أشكاله (السجائر، الشيشة، التبغ بدون دخان)،
التحكّم في الوزن ومراقبة محيط الخصر، مع تجنّب البدانة البطنية، القياس الدوري للضغط الشرياني وسكّر الدم والكوليسترول، خاصّة بعد سنّ الأربعين وتدبير التوتّر النفسي والإجهاد من خلال تقنيات الاسترخاء والنوم الكافي.
على المستوى المؤسّساتي والصحي
تعزيز برامج التشخيص المبكّر والكشف الجماعي عن عوامل الخطر القلبي على مستوى مراكز الصحة الأوّلية، توسيع تغطية التأمين الإجباري عن المرض ليشمل مختلف الأدوية والفحوصات القلبية، تطوير شبكة وحدات أمراض القلب التداخلية ووحدات معالجة احتشاء العضلة القلبية في الزمن الذهبي (90 دقيقة) عبر مختلف جهات المملكة، إدماج التكنولوجيات الحديثة: الذكاء الاصطناعي، التطبيب عن بعد والتطبيقات الذكية للمتابعة المنزلية.
إضافة إلى الاستفادة من تقنيات الاستئصال بالقسطرة، وزرع المنبّهات القلبية، وتقنية TAVI لاستبدال الصمّامات الأبهرية بدون جراحة مفتوحة، وإزالة التعصيب الكلوي (Dénervation rénale) في حالات الضغط الشرياني المقاوم، تطوير برامج إعادة التأهيل القلبي بعد الحوادث الحادّة وبعد الجراحة، تكثيف حملات التوعية الجماهيرية وتعليم الإسعافات الأوّلية القلبية للعموم، الاستثمار في تكوين أجيال جديدة من أطبّاء القلب، خاصّة في التخصّصات الدقيقة.