عبد السلام بنعبد العالي: الكتابة والقراءة بين بلانشو وسارتر بين العزلة والانخراط في الشأن العام

عبد السلام بنعبد العالي: الكتابة والقراءة بين بلانشو وسارتر بين العزلة والانخراط في الشأن العام عبد السلام بنعبد العالي

جان بول سارتر وموريس بلانشو مجايلان أحدهما للآخر، الأول وُلد سنة 1905، والثاني سنة 1907. ورغم خلافاتهما، لا يمكن أن ننكر تقارب مسارهما. كلاهما درس الفلسفة، ثم ابتعد عن التدريس. كلاهما بدأ في كتابة رواية أولى في الثلاثينات، ونشر مقالات في النقد الأدبي. كلاهما سعى باستمرار إلى التوفيق بين الاهتمامات الأدبية والفلسفية، ثم وظف مكانته كمفكر للانخراط سياسيا.

 

هذان المساران المتوازيان يتقاطعان في نقاط متعددة: نشر بلانشو مقالا سنة 1938 عن رواية "الغثيان" كان في الوقت نفسه امتداحا ومؤاخذات. من جهته، نشر سارتر مراجعة نقدية لـ "أميناداب". كتب بلانشو أيضا عن مسرحية "الذباب"، وعن الجزأين الأولين من "دروب الحرية"، وعن كتاب "بودلير"... لكن، نهاية الأربعينات، غيّر بلانشو طبيعة مقالاته، التي لم تعد تقتصر على النقد الأدبي فحسب، بل شكلت نظرية أدبية حقيقية، في الوقت نفسه الذي كان سارتر يسعى فيه للإجابة عن سؤال "ما الأدب؟".

 

نشر سارتر لبلانشو في "الأزمنة الحديثة" أربعة مقالات نظرية، ومن بينها المقال البالغ الأهمية: "الفن، الأدب والتجربة الأصلية"، الذي سيصبح الفصل الختامي لكتاب "الفضاء الأدبي". إذن، سارتر اطلع على فكر بلانشو مبكرا وأولاه اهتمامه: فقد قرنه باسم جورج باتاي لينتقده في معظم المقالات المعاد نشرها في الجزء الأول من "مواقف"، وقبل كل شيء في المقال المخصص لـ"التجربة الباطنية" تحت عنوان "متصوف جديد".

 

على خلفية معارضته لمن يعتبرهم ورثة السوريالية، أدب ما قبل الحرب الذي لن يكون له خلف، طور سارتر مفهومه عن الكتابة والقراءة، في "مسؤولية الكاتب"، ثم في "ما الأدب؟" على وجه الخصوص، إذ اعتبرهما انخراطا في العالم والعصر، ونداء حرية إلى حرية، وأدبا للممارسة (البراكسيس) ينبغي أن يحل محل الأدب القديم القائم على الوجود (الإكسيس).

 

وبكيفية مماثلة، على خلفية معارضته للمقاربة السارترية للأدب، طور بلانشو مقاربته للأدب، وخاصة في مقاله المهم "الأدب والحق في الموت"، الذي نشره في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 ويناير/كانون الثاني 1948، بعد بضعة أشهر من نشر "ما الأدب؟" في "الأزمنة الحديثة".

 

العزلة عن الذات

للوهلة الأولى، يبدو أن الكاتب عند بلانشو هو من ينسحب من العالم، وينعزل عن الآخرين ليكتب. لكن العزلة التي تهم بلانشو هي العزلة عن الذات. الكاتب ينعزل عن نفسه قبل أن ينعزل عن الآخرين، يختفي في الكتابة، يدخل في العزلة الجوهرية، يصل إلى اللاتحديد، واللاشخصي. هذا الدخول في اللاشخصي عبر الكتابة هو ما يسميه بلانشو الانتقال من "الأنا" إلى الـ"هو"، والذي يشهد له كافكا في يومياته كونه أصلَ كل أدب. الكاتب هو من فقد القدرة على قول "أنا"، هو من لم يعد أحدا: "الكتابة ليست أبدا قدرة تحت تصرف المرء". بالمعنى الدقيق، الكاتب لا يكتب، بل "يُكتَب"، يُكتب من خلاله. الكاتب ليس أبدا صاحب المبادرة في الكتابة بل يجد نفسه في كل مرة وكأنه مفتون بحركتها. ولأن الكاتب ليس أبدا أصل الكلام، فهذا الكلام لم يبدأ معه، بل سبقه دائما. إنه قديم بشكل مخيف، بل إنه لم يبدأ أبدا، إنه سابق للذاكرة: "يُتكلم، دون بداية". إذن، الكتابة هي أن تصبح شاهدا على الماضي السابق للذاكرة.

 

في ما يتعلق بالكتابة، كل شيء عند سارتر يعارض بلانشو. فهو ينظر إليها ليس كسلبية لاشخصية، بل كنتيجة لـ"قرار"، أي لحرية ("أنا كاتب أولا بمشروعي الحر في الكتابة")، حرية ذات طابع شخصي، ولذلك يمكن سارتر أن يذهب إلى حد التأكيد أن وظيفة الكتابة هي كشف العالم، وليس انتزاعنا منه. فضلا عن ذلك، كلام الكاتب هو كلامه حقا، وعندما يخاطب قراء، فهو يخاطب حريتهم كفاعلين في العالم، في الزمن والتاريخ، ليبين لهم مسؤوليتهم، أي مجال إمكاناتهم. إذن، الكاتب ملتزم بالضرورة، بدل أن يكون منفصلا عن العالم. إنه مسؤول بشكل أساس، بدل أن يكون مأخوذا بإلهام لا أحد مسؤول عنه.

 

سارتر أيضا يستشهد بكافكا الذي هو مؤلف أساس في فكر بلانشو، لكن، ليقدم عنه تفسيرا معاكسا بصفة جذرية: فحيث يرى فيه بلانشو كاتبا للقطيعة مع العالم، يراه سارتر كاتبا للتاريخ استطاع أن يصور حقيقة مجتمع وعصر. عمَل بلانشو، إذن، لا يمكن أن يكون أكثر من مفارقة تاريخية في 1947، بينما عالم سارتر بحاجة إلى أدب ملتزم، محدد الموقع، تاريخي، اجتماعي، سياسي، يقدم حقيقة المجتمع لهذا المجتمع نفسه.

 

ثورية الأدب

ومع ذلك، فهذا لا يمنعنا من أن نقول إن بلانشو كان كاتبا ملتزما، منخرطا في جميع نضالات عصره. فالانفصال إلى ما وراء العالم ليس بالنسبة إليه انفصالا عن الالتزام. بل على العكس تماما، في هذه القطيعة مع العالم، مع المجتمع والتاريخ، يكمن الفعل الثوري الحقيقي للأدب. الكاتب ثوري لأنه يجعل ما يتسبب بالفضيحة مرئيا، وهكذا فالماركي دو ساد هو الكاتب بامتياز في عين بلانشو، إنه ملتزم بالمعنى الدقيق للكلمة.

 

لم يخص بلانشو القراءة بمثل ما خص به الكتابة. فالصفحات التي خصصها للقراءة في كتاباته النظرية نادرة جدا قياسا إلى ما خصصه للكتابة. ومع ذلك، فهي ليست أقل أهمية، والمقالان اللذان نُشرا في مايو/ أيار وديسمبر/ كانون الأول 1953 في "المجلة الفرنسية الجديدة" بعنوان "القراءة" و"التواصل"، واللذان أعيد نشرهما في كتاب "الفضاء الأدبي"، يشكلان تفكيرا في معنى القراءة عندما يتعلق الأمر بقراءة عمل أدبي، وذلك في حوار ضمني مع مفهوم القراءة الذي طوره سارتر في كتابه "ما الأدب؟"، أي القراءة بوصفها تفاهما للنداء الذي توجهه حرية الكاتب إلى حرية القارئ، من خلال تقديم عالم هو عالمه الخاص، كشفا لمسؤوليته تجاه هذا العالم الذي عليه تغييره.

 

يؤكد بلانشو أنه على النقيض من الأعمال المادية، التي لها وجود موضوعي في المكان، فإن العمل الأدبي لا يوجد في مكان محدد، وبالمعنى الدقيق، لا وجود له إلا إذا جعله قارئ ما موجودا. فالكتاب الذي لم يُقرأ قط، لم يكتب قط، بمعنى ما. صحيح أن القارئ لا يكتب العمل، فهو ليس الكاتب، لكنه يجعله قد كُتب، يجعله موجودا بصفته عملا مكتوبا. "القراءة، إذن، ليست إعادة كتابة الكتاب، بل جعل الكتاب يَكتُب نفسه أو يكون مكتوبا". ومع ذلك، عندما يقرأ القارئ، فإن الكاتب لا يعود موجودا ليكتب العمل. لذا، فإن القارئ يخفف عبء المؤلف في فعل القراءة ومن خلالها: "القارئ لا يضيف نفسه إلى الكتاب، بل يسعى أولا إلى "تخفيفه" من كل مؤلف". ذلك أن "الكاتب لا يعرف إلا هذا المصير التعس: الكتابة بالنسبة إليه فشل، هو لا يستطيع قراءة كتبه، العمل غير مكتمل، ناقص، بينما القارئ يوافق على العمل دون رغبة في تغييره، يراه كاملا، منجزا، ناجحا. في هذا المعنى، القراءة هي التي تُكمل العمل، هي التي تنجح حيث تفشل الكتابة، هي الجانب الإلهي من الخلق حيث الكاتب إنساني، إنساني أكثر من اللازم".

 

بين الكاتب والقارئ

هذا يعني أن علاقة القارئ بالكاتب ليست سلمية البتة: إنه يحارب المؤلف بهدف محوه، ومن خلال لا مبالاة قراءته، تخفيف العمل من ثقل القلق والعمل والمعاناة الذي يمثله بالنسبة لمؤلفه. إن القارئ يناضل لإعادة العمل إلى حضوره المجهول، غير الشخصي، حضوره بلا مؤلف.

 

بما أن العمل تم تخفيفه من الكاتب، فإنه لا يعود نداء من الكاتب إلى القراء يسعى من خلاله إلى تمرير أفكار، كما هي الحال في نص غير أدبي. إنه ليس، كما عند سارتر، نداء الكاتب إلى القارئ لتحمل مسؤوليته في تغيير العالم. لكي يكون هذا التخفيف من العمل ممكنا، يجب على القارئ نفسه أن يصبح غير شخصي: "القارئ نفسه يكون دائما مجهولا في الأساس"، إنه قارئ عادي، قابل للاستبدال تماما، لا يأتي ليضفي خصوصيته على العمل. لذا، فإن وظيفة القراءة ليست إكمال العمل بإضافة اللمسة النهائية، كما لو كان القارئ مؤلفا مشاركا للعمل. القارئ هو أي كان، لم يعد شخصا اجتماعيا له مهنة وتاريخ، شخصا منخرطا في المجتمع. لذلك، لا يمكن العمل، كما هو الحال عند سارتر، أن يدعوه إلى تحمل مسؤولية تجاه العالم.

 

بأي معنى يمكن القارئ أن يجعل العمل موجودا؟ بالتأكيد ليس بخلقه، بل بحريته. كانت هذه بالفعل أطروحة سارترية، حيث القراءة عنده هي استجابة حرية القارئ للنداء الذي أطلقته حرية الكاتب، ووجهته لتلك الحرية لكي تعمل على تغيير العالم. مفهوم "الحرية" ذو الدلالة السارترية القوية، يعيد بلانشو استخدامه بمعنى غير سارترى عمدا. المقصود عنده ليس فعل حرية منخرطة في موقف يستهدف تغيير العالم، بل الحرية بالمعنى الهايدغري، الذي يطوره هايدغر في محاضرته "في ماهية الحقيقة"، أي "ترك الكائن يكون". القراءة هي حرية في هذا المعنى أنها تترك العمل يكون، إنها استقبال سلبي للعمل، وموافقة عليه: "القراءة لا تفعل شيئا، لا تضيف شيئا، إنها تترك ما هو كائن يكون، إنها حرية. ليست حرية تمنح الكينونة أو تمسك بها، بل حرية تستقبل، توافق، تقول نعم".

 

العمل لا يقدم أي رسالة يمكن القارئ فهمها، ولهذا السبب فـ"القراءة ليست حوارا وتبادل حديث، إنها لا تُجادل، لا تحاور، لا تسأل". وحده الكتاب غير الأدبي، مثل كتاب تاريخ أو علم اجتماع، هو نسيج من الدلالات المحددة، الموجودة مسبقا، التي لا يبقى للقارئ إلا جمعها لفهمها ومناقشتها. في الكتب التي تتحدث عن التاريخ والمجتمع والعالم، يكون الكتاب قد قُرئ دائما بالفعل، وكل قارئ لا يكرر سوى تلك القراءة الموضوعية من خلال جمع المعلومات التي يريد النص نقلها. ولكن، لأن الكتاب الأدبي يأتي من "الخارج" عن أي عالم، والكتابة هي الاقتراب منه، فلا توجد أي معلومات عن العالم أو المجتمع يجب تحصيلها.

 

نداء جهول

ومع ذلك، هناك بالفعل نداء في العمل بالنسبة إلى بلانشو، لكن لا يمكن أن يكون، كما عند سارتر، أي النداء الشخصي لحرية الكاتب إلى حرية القارئ الفاعلة في العالم. عند بلانشو، النداء مجهول وصامت يأتي من العمل نفسه ليفرض الصمت على ضجيج العالم، ويُدخل القارئ في صمت القراءة. الاستجابة لهذا النداء، ليست، كما عند سارتر، عملا لتغيير عالم نعتبر أنفسنا مسؤولين عنه، إنها ببساطة القراءة واستقبال "سخاء العمل".

 

استخدام هذا المصطلح هو أيضا إشارة جدلية إلى سارتر، بقدر ما يستخدمه هذا الأخير لوصف العلاقة الشخصية بين الحريتين، حرية الكاتب وحرية القارئ، بالنسبة إلى بلانشو، إنه "الخارج" الذي يتعلق به الأمر في قراءة العمل، لأن هذا الأخير يأتي منه ويحضر شهادته إلى العالم. لكن علاقة القارئ بـ"الخارج" تختلف كثيرا عن علاقة الكاتب: فهو ينتصر في القراءة على علاقة مسالمة، هادئة، مطمئنة، في خفة وابتهاج وبراءة، بينما عانى الكاتب من عذابات آلام الكتابة التي هي آلام الموت/الاحتضار.

 

إذا كانت القراءة تُكمل العمل، فذلك لأن القارئ هو الذي يجعل هذا التواصل ممكنا، جاعلا العمل يكون هو العمل الذي هو عليه، بتركه يكون في الاستقبال الصافي للقراءة التي تصرف المؤلف. تواصل العمل من هذه الزاوية هو، بالنسبة إلى بلانشو، صراع بين قطبين: قطب الكاتب، قطب التجاوز، اللامُتشكل، اللايقين، المستحيل، الليل، "الخارج"، وقطب القارئ، قطب الاعتدال، الشكل، القرار، الممكن، النهار، العالم. القراءة هي "التواصل المفتوح بين القدرة والاستحالة، بين القدرة المرتبطة بلحظة القراءة والاستحالة المرتبطة بلحظة الكتابة". ومع ذلك، فإن هذا التواصل الذي تجعله القراءة ممكنا هو صراع، لأنه يمحو الكاتب، لكنه في الوقت نفسه "رقصة مع شريك غير مرئي"، وهي رقصة خفيفة ومبهجة.

 

 

عن مجلة:"المجلة "