عبد اللطيف البغيل: البغيل: الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (5)

عبد اللطيف البغيل: البغيل: الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (5) عبد اللطيف البغيل

ورد في جملة التوجيهات السامية التي جاءت في الرسالة الملكية الموجهة إلى العلماء بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم بتاريخ: 22 ربيع الأول 1447هـ الموافق لـ 15 سبتمبر 2025 ما نصه: " رابعا: التعريف بجهودنا الخاصة وجهود ملوك دولتنا العلوية الشريفة في العناية بتركة النبوة، ولاسيما فيما يتعلق بالحديث الشريف، وبهذا الصدد يجدر بمجلسكم إصدار نشرة علمية لكتاب السلطان سيدي محمد بن عبد الله “الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية. “
فمن خلال هذا التوجيه الملكي السامي نستنتج ما يلي:
-1أن مولانا أمير المؤمنين يستحضر في هذه الرسالة الملكية الشريفة، ما قام به أسلافه رحمهم الله من جلائل الأعمال وحميد الأفعال، في مجال خدمة الدين وحراسته وإحياء ما اندثر منه وما انطمس من أحكامه وسننه، ومشاركاتهم المباشرة في إغناء الحركة العلمية، بمصنفات جليلة القدر وعظيمة الشأن والفائدة، لما فيها من سنن سيد المرسلين ورسول رب العالمين، لاسيما كتاب "الفتوحات الإلهية" لسيدي محمد بن عبد الله، رحمه الله، وأحد أعظم علماء سلاطين الدولة العلوية الشريفة، وأحد أمثل أسلاف مولانا محمد السادس نصره الله، لأنه كانت له رؤية إصلاحية كما يقول المؤرخون، وأنه أول ملك مغربي " أدرك أن لا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فعمل في نظام ومثابرة على تطبيق هذا المبدأ، وعلى السير برعيته على هذا المنهج، مستخدماً سلطته و نفوذه لتخطي العقبات، جامعاً حوله علماء مملكته، للاستنارة بآرائهم." وهذا نفسه ما يؤمن به مولانا محمد السادس نصره الله وأيده، ولذلك فإن توجيهه لأنظار العلماء إلى هذا الكتاب ينبني على نظر ثاقب وفكر عميق، يستحضر قيم الأمة كما يستحضر أفقها ومستقبلها وأن ثوابتها مرتبطة بماضيها وحاضرها وبمستقبلها والعكس صحيح.
-2أنه من خلال هذا التوجيه الملكي الشريف، يؤكد مولانا أمير المؤمنين، سيره على نهج أسلافه المنعمين في إطار استمرار الدولة العلوية الشريفة، وإغناء مآثرها والقيام بواجب الأمانة الكبرى؛ حراسة للدين وسياسة لأحوال الرعية، وصيانة للثوابت المؤسسة، والمقدسات المنغرسة في قلوب المغاربة، والتي تعتبر من العناصر الفعالة في وحدتنا واجتماع كلمتنا، ولعل من جملة الأمور الفاعلة في هذا الاجتماع الذي تقوم عليه ثوابتنا، وهو إيماننا بالله تعالى وبرسولنا صلى الله عليه وسلم، وبأنه القدوة الحسنة، والهادي الأعظم إلى صراط الله المستقيم، وأن أحاديثه صلى الله عليه وسلم هي مفتاح فهم الدين وهي الحاملة لتطبيقاته وعملياته، ولهذا نجد ملوك الدولة العلوية الشريفة قد اهتموا بهذا الحديث اهتماما كبيرا وأولوه عنايتهم وشجعوا العلماء على شرح متونه، كما فعل المولى محمد بن عبد الله مع السيد التهامي بن عمرو إذ كلفه بشرح الأربعين النووية. ومن قبله اعتنى المولى إسماعيل بالحديث وعلومه وخاصة صحيح البخاري كما ذكرنا سابقا، واهتموا بمدارسه ومجالسه، كما فعل مولانا الحسن الثاني الذي أنشأ دار الحديث الحسنية، وأنشأ المجالس الحديثية الرمضانية من خلال الدروس الحسنية، وهي السنة الحميدة التي حافظ عليها مولانا محمد السادس، وزاد معها ما أولاه من عناية بإكرام أهل الحديث وصلتهم، وأنشأ منصة محمد السادس للحديث الشريف، وغير ذلك من أوجه العناية به.. 
3-أن مولانا أمير المؤمنين محمد السادس وهو يوجه أنظار العلماء إلى أهمية هذا الكتاب الحافل والمصنف الشامل لمجامع أحاديث سيد الأنبياء، ويبصرهم بجدارة هذا الكتاب بأن تُصدر بشأنه نشرة علمية، يؤكد بذلك على مبدأ الوفاء لنهج الأسلاف مع ميراث جدهم صلى الله عليه وسلم، وسيره على هذا النهج، وفاء لهم وتيمنا بما أُثر عنهم، من غير تبديل ولا تغيير، ويؤكد هذا أن مولانا محمد الخامس رضي الله عنه أيضا، كان له ولع بهذا الكتاب الحافل، الذي يحتوى على ما يزيد على (2262) حديث، ولذلك اختاره ليكون أول كتاب يدشن به المطبعة المحمدية التي أسسها جلالته عام 1364هـ الموافق ل 1945م وذلك تيمنا منه بهذا الكتاب الذي أراده أن يكون فاتح خير لإحياء سنة جده صلى الله عليه وسلم. كما أن مولانا جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه لما أسس المطبعة الملكية بالرباط، أعاد طباعة كتاب الفتوحات الإلهية وذلك عام: 1400هـ الموافق ل 1980م وقد حقق الله تعالى ما أمًلاه ونَوياه من خير بهذا العمل وبهذا التقديم لكتاب الفتوحات الإلهية، حيث أسهمت المطبعتان وعلى مدى سنوات طويلة في إغناء الخزانة الإسلامية بأمهات الكتب والمصنفات، وساهمتا بشكل كبير في إحياء التراث الإسلامي، لاسيما ما أنتجه علماء الغرب الإسلامي والمغرب الأقصى على وجه الخصوص، وقد قال الله تعالى: " "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا" ولعله من أهم أبوب الخير وأعظمها عند الله تعالى أجرا، وهو تيسير طريق العلم وإحيائه ونشره بأي سبيل. وقد قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا." (رواه الترمذي).
وهذا يؤكد لنا ما سبق وأن قلتاه في رسالة المولى إسماعيل من أن ما بين هذه الرسالة الملكية ورسائل أسلافه توجد مسيرة متصلة متجددة لا تهدأ ولا تفتر عن الكشف عن أسرارها، ولا تتوقف عن نثر بركاتها وثمراتها، ما بين تلك الرسائل والرسالة الملكية، مسيرة مدتها قرون من الزمن، ولا زال الوفاء لميراث صاحب الرسالة الأعظم هو المبدأ الدستوري الأكبر الذي ينتظم بكل فاعلية في هذه الدولة الشريفة، ولا زالت في شأنه ومن أجله الرسائل تبعث من السلاطين والملوك إلى العلماء بشأن صيانة الميراث النبوي، ولا زال حفظ الأمانة هو الالتزام الأول الذي يحظى بالوفاء، من أول الدولة العلوية إلى الآن وإلى كل الأوان، وسيستمر بعث الرسائل من ملوك الدولة العلوية بهذا الشأن ويتواصل.
ومن بين هذه الرسائل نجد رسالة مهمة ودلالتها قوية في بيان حرص سلاطين وملوك الدولة العلوية، على ميراث النبوة والقيام بأمانة الدين وهي رسالة المولى محمد ابن عبد الله، رحمه الله ومصنف كتاب الفتوحات الإلهية، وأحد مجددي الدولة العلوية الشريفة، الذي تميز عصره بالازدهار تماما كما يتميز عصر مولانا أمير المؤمنين نصره الله بأقوى ازدهار عرفته هذه الدولة الشريفة، وبلغ تأثيرها الدولي إلى أبعد مداه وعرفت ساحة العلم فيها اتساعا كبيرا... 

 

                                                                         يُتبع... 

 

 د: عبد اللطيف البغيل، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة.