عبد الواحد غيات: سجن الجغرافيا وعقدة الاستعمار .. لماذا يشعر المشرقي والمغربي بالاغتراب؟ (1/2)

عبد الواحد غيات: سجن الجغرافيا وعقدة الاستعمار .. لماذا يشعر المشرقي والمغربي بالاغتراب؟ (1/2) عبد الواحد غيات

مقدمة

ليس سراً أن العالم العربي يعيش اليوم حالة من التشرذم السياسي والوجداني تجاوزت بكثير حدود الخلافات العادية بين الدول. فبينما تتردد على ألسنة القادة والخطباء عبارات "الوحدة العربية" و"المصير المشترك"، نجد أن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة تماماً: حدود مشدودة، اقتصادات متنافسة، وأجندات سياسية تتباعد بدل أن تتقارب.

ولعل أعمق مظاهر هذا التشرذم، وأكثرها جذوراً، هي تلك الفجوة المستعصية بين المشرق العربي (من الخليج إلى البحر المتوسط شرقاً) والمغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا). إنها فجوة لا تقاس بالمسافات فقط، بل بالتاريخ، واللغة المحكية، والمرجعيات الفكرية، والأولويات الأمنية، بل وحتى بنية الاقتصاد ونمط العلاقة مع العالم الخارجي.

هذا المقال محاولة لفهم "جغرافيا التشرذم" هذه: لماذا، رغم أننا نتحدث العربية ونقرأ القرآن ونشترك في الهوية، نشعر أحياناً أن المشرقي "غريب" عن المغربي، والعكس صحيح؟ وما الجذور التاريخية والسياسية والاقتصادية التي حولت "الأشقاء" إلى "جزر معزولة"؟ وهل ثمّة أفق للخروج من هذا المأزق؟

 

أولاً: الميراث التاريخي – صراع الحواضر وتعدد مراكز الثقل

غياب المركزية الدائمة تاريخياً، لم يعرف العالم العربي-الإسلامي مركزية سياسية واحدة دائمة ومستقرة على غرار ما عرفته الصين أو فرنسا أو بلاد فارس. فمنذ صدر الإسلام وحتى العصر الحديث، توزعت السيادة بين حواضر كبرى تنافست على القيادة الدينية والسياسية والثقافية:

·      القاهرة (مركز الخلافة الفاطمية ثم الأيوبية والمملوكية).

·      بغداد (مركز الخلافة العباسية).

·      دمشق (مركز الخلافة الأموية).

·      القيروان وفاس (مراكز الإشعاع المغاربي منذ الفتوحات الأولى).

·      مراكش وتلمسان (مراكز دول المرابطين والموحدين والزيانيين).

هذا التعدد، الذي كان في بداياته مصدر إثراء حضاري وتنافس إبداعي، تحول مع مرور القرون إلى منافسة رمزية على شرعية تمثيل "العروبة" أو "الإسلام الصحيح". فكل عاصمة رأت في نفسها الوريث الشرعي للحضارة، مما أدى إلى نشوء هويات إقليمية صلبة بدلاً من هوية مركزية واحدة تذوب فيها الفوارق.

من الإثراء إلى الاستقطاب مع تراجع الدولة العثمانية وظهور الحركات القومية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تحولت هذه المنافسة الحضارية إلى استقطاب سياسي حاد. لكل مركز ثقل – القاهرة، دمشق، بغداد، الرباط، تونس – أجندته الخاصة ورؤيته لشكل "العروبة" التي يريدها.

فالمشرق، وخاصة في ظل حزب البعث والتيار الناصري، نظر إلى نفسه باعتباره "قلب العروبة" النابض، وصاحب مشروع الوحدة التحررية. أما المغرب، فقد نظر إلى تجربته الخاصة – مملكة عريقة، علاقة معقدة مع الاستعمار الفرنسي، وانفتاح على العمق الأفريقي والأوروبي – باعتبارها نموذجاً مختلفاً لا يقل أصالة.

هذا التباين في المرجعيات جعل التوافق على قرار عربي واحد أمراً بالغ الصعوبة. وغالباً ما قُدمت مصالح كل حاضرة ونفوذها الإقليمي على حساب التكامل الشامل، مما رسخ شعوراً وجدانياً بالانفصال: مشرق يرى نفسه "الأصل"، ومغرب يرى في نفسه "العمق المتجدد" المختلف.

ثانياً: سجن الجغرافيا – كيف حولت الصحاري والمسافات "الأشقاء" إلى "جزر معزولة"

العوائق الطبيعية القديمة لعبت الجغرافيا الطبيعية دوراً حاسماً، لا يُستهان به، في تعزيز التشرذم. فالصحاري الشاسعة – الصحراء الكبرى، صحراء الربع الخالي، صحراء سيناء – والمسافات الهائلة (أكثر من 5000 كيلومتر بين المحيط الأطلسي والخليج العربي) شكلت في الماضي عوائق حقيقية أمام التواصل الشعبي المستمر.

قبل الطائرات والسيارات والإنترنت، كانت الرحلة من فاس إلى بغداد تستغرق أشهراً، وكانت محفوفة بالمخاطر. هذا العزل الجغرافي سمح لكل منطقة بأن:

·      تُطور خصوصياتها الاجتماعية وأنماط عيشها.

·      تُشكل لهجاتها المحكية المختلفة بشكل كبير (فالمغاربة قد لا يفهمون لهجة الخليج بسهولة، والعكس صحيح).

·      تُنتج تراثها الشعبي وأدبها وفولكلورها بمعزل عن التأثير المباشر للطرف الآخر.

هكذا، وُلدت بمرور القرون "جُزر ثقافية" داخل الجسد العربي الواحد. جزر تتعارف وتتاجر، ولكنها لا تندمج في كل واحد متجانس.

الجغرافيا الجديدة: الفضاء السيبراني كجسر ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا "السجن الجغرافي" التاريخي، يبزغ اليوم الفضاء السيبراني كجغرافيا بديلة قادرة على هدم الأسوار القديمة. الإنترنت، وسائل التواصل الاجتماعي، منصات الألعاب الإلكترونية، المحتوى الرقمي المشترك... كلها تخلق فضاءً افتراضياً يتجاوز اللكنات والعوائق المادية.

الشباب العربي اليوم يتواصل، يتعلم، يغني، ويتعاطف مع قضايا الآخر عبر الشاشات قبل أن يطأ أرضه. هذا التواصل الرقمي بدأ بالفعل في صياغة "مجتمع مدني افتراضي" عابر للحدود. إنها فرصة تاريخية لإعادة بناء الوجدان الشعبي المشترك، بعيداً عن مقص الرقيب الجغرافي القديم.

الحدود النفسية: أقسى من الصحاري ورغم أن التكنولوجيا الحديثة (الطائرات، القنوات الفضائية، الإنترنت) ألغت هذه المسافات مادياً، إلا أن "الحدود النفسية" التي بُنيت عبر قرون من العزلة لا تزال قائمة، بل إن الأنظمة السياسية استثمرتها لتعزيز الانغلاق المحلي.

اليوم، ينصب الاهتمام الشعبي والإعلامي في المشرق على القضايا القُطرية والمجاورة جغرافياً: فلسطين، العراق، سوريا، اليمن، إيران، تركيا. أما المواطن في المغرب، فهو منشغل بقضاياه المباشرة: الهجرة، البطالة، العلاقة مع أوروبا، والنزاعات الاقليمية.

هذا التباين في "الأولوية العاطفية" جعل المواطن في المشرق يشعر أحياناً أن قضايا المغرب العربي "بعيدة" و"هامشية"، بينما يشعر المواطن في المغرب أن صراعات المشرق "دوامة لا تنتهي" و"ليست مشكلتي". وكأنهما يعيشان في عالمين متوازيين: يلتقيان في الشعارات القومية الجامعة (القدس، فلسطين، اللغة العربية)، ويفترقان في كل شيء آخر.

ثالثاً: الارتباط بالمحاور الدولية والتبعية الجيوسياسية

موقع فريسة للتجاذبات أدى الموقع الاستراتيجي للعالم العربي – عند ملتقى ثلاث قارات – إلى وقوعه فريسة للتجاذبات الدولية الكبرى. لكن المهم هنا ليس مجرد التدخل الخارجي، بل اختلاف طبيعة هذا التدخل بين المشرق والمغرب.

المشرق العربي، بوقوعه في تماس مباشر مع:

·      قوى إقليمية كبرى: إيران، تركيا، إسرائيل.

·      مناطق نفوذ دولي حساسة: الخليج النفطي، حدود روسيا، قناة السويس.

·      بؤر ساخنة: فلسطين، العراق، سوريا، اليمن. ... ارتبطت سياساته بموازين القوى بين واشنطن، موسكو، وبكين. أصبحت بوصلته السياسية متجهة نحو "الشرق العالمي" وصراعاته الكبرى.

في المقابل، وجد المغرب العربي نفسه – بحكم الجغرافيا والتاريخ والارتباط الاقتصادي – يميل أكثر نحو الفضاء المتوسطي والأوروبي:

توزيع الولاءات والأجندات هذا التوزيع للولاءات والمصالح جعل الأجندة السياسية للمغرب العربي تختلف في جوهرها عن أجندة المشرق. فبينما تنحصر الأولوية القصوى في المشرق في التعامل مع التوازنات الطائفية الداخلية، والتمدد الإيراني، وحروب بالوكالة عن قوى كبرى، نجد أن المغرب العربي يركز جهوده على قضايا الهجرة غير الشرعية، والأمن المتوسطي، وبناء علاقة شراكة متوازنة مع أوروبا. وهذا الاختلاف في الأولويات ينعكس بدوره على طبيعة المحاور الدولية المؤثرة في كل جناح: فالمشرق يتأثر بشكل حاسم بأمريكا وروسيا والصين وإيران وتركيا، بينما يظل المغرب مرتبطاً بشكل وثيق بفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، مع حضور أمريكي أقل وضوحاً.

والأكثر عمقاً من ذلك هو تباين "اللغة السياسية" السائدة في كل منطقة. فالمشرق لا يزال يتحدث بلغة المقاومة والتحرير والأمن الوجودي، وهي لغة تشكّلت في مخاض الصراع مع إسرائيل والغزو الأجنبي والتدخلات الإقليمية. أما المغرب، فيميل خطابه السياسي نحو مفاهيم التنمية والشراكة والحقوق والانتقال الديمقراطي (وإن تعثرت تجاربه أحياناً). هذا التباين في "المرجعيات الدولية" لكل جناح زاد من هوة التشرذم، وجعل العمل العربي المشترك يبدو وكأنه محاولة يائسة للتوفيق بين لغات سياسية مختلفة تماماً.

كيف يمكن لجامعة عربية أن تتخذ موقفاً موحداً من قضية، بينما أعضاؤها مرتبطون بأطراف دولية متناحرة وتتحدث بلغات سياسية متباينة؟

رابعاً: العقل الاستعماري – ازدواجية المناهج والمدارس

صياغة الحدود العقلية لم يكتفِ الاستعمار الأوروبي (خاصة البريطاني والفرنسي) برسم الحدود الترابية التي مزقت الجسد العربي، بل توغل في صياغة "الحدود العقلية" من خلال فرض نظمه التعليمية ولغاته الخاصة. وهنا يبرز فرق جوهري بين تجربة المشرق وتجربة المغرب.

في المشرق العربي (العراق، الأردن، فلسطين، مصر، الخليج باستثناء اليمن)، غلبت المدرسة الأنجلوسكسونية (البريطانية) التي تميل إلى:

·      التركيز على النفعية والبراغماتية.

·      تدريس العلوم باللغة العربية أو الإنجليزية، مع بقاء اللغة العربية لغة الإدارة والتعليم العالي في معظم المراحل.

·      ارتباط اللغة العربية بالهوية والمقاومة الثقافية لمواجهة التغريب.

هذا جعل النخب المشرقية، رغم تأثرها بالغرب، تظل مرتبطة بمركزية اللغة العربية في دواوين الدولة والتعليم والإعلام، مما حافظ على نوع من التجانس اللغوي والفكري داخل المشرق نفسه.

في المقابل، تعرض المغرب العربي – وخاصة الجزائر (استعمار استيطاني عنيف)، تونس، المغرب – لاستعمار فرنسي سعى بوضوح إلى "فرنسة" المجتمع، وإحلال اللغة والمنطق الفرنسي محل الهوية المحلية. نتائج ذلك:

·      أصبحت الفرنسية لغة الإدارة، والتعليم العالي (خاصة في العلوم والطب والهندسة)، ولسان حال النخب المثقفة.

·      أُقصيت اللغة العربية أو بقيت محدودة في التعليم الديني والأدبي فقط.

·      ظهر جيل كامل من النخب "الفرانكوفونية" تفكر وتكتب وتدير الدولة بالمنطق الإداري والثقافي الفرنسي.

فجوة لغة الحوار هذا الازدواج خلق فجوة حقيقية في "لغة الحوار" بين المشرق والمغرب:

·      المشرقي (المتعلم في المدرسة الأنجلوسكسونية) قد يجد صعوبة في فهم المصطلحات الإدارية والقانونية والفلسفية التي يستخدمها المغربي المتأثر بالمدرسة الفرنسية.

·      المغربي قد يشعر أن خطاب المشرقي "إنشائي" و"شعاراتي" يفتقر إلى الدقة المفهومية الفرنسية، بينما يشعر المشرقي أن خطاب المغربي "مراوغ" و"تكنوقراطي" بارد.

·      حتى في وسائل الإعلام، هناك انقسام واضح: قنوات المشرق (الجزيرة، العربية، سكاي نيوز عربية) مقابل قنوات المغرب (القنوات الوطنية بالفرنسية).

هذه الفجوة عززت شعور الاغتراب الثقافي بين الجناحين، وجعلت "فهم الآخر" مهمة تتطلب ترجمة حرفية أحياناً، وليس مجرد استماع.

إعادة القراءة: الازدواجية كوساطة حضارية ومع ذلك، يمكن إعادة قراءة هذه الازدواجية (الأنجلوسكسونية والفرانكوفونية) ليس كشرخ هوياتي يائس، بل كـ"وساطة حضارية دبلوماسية" لو أحسن استثمارها.

·      فالمغرب العربي، بلسانه الفرنسي وعلاقاته المتوسطية والأفريقية، يمكن أن يكون بوابة المشرق نحو العمق الأفريقي والأوروبي.

·      والمشرق، بلسانه الأنجلوسكسوني وعلاقاته الخليجية والآسيوية، يمكن أن يكون جسر المغرب نحو الأسواق العالمية الجديدة (الصين، الهند، روسيا).

تحويل "عجز لغوي" إلى "ميزة تنافسية" في عالم متعدد الأقطاب هو رهان المستقبل، وليس سبباً للتشرذم.

خاتمة الجزء الأول

إن هذا التشابك المعقد بين إرث الحواضر المتنافسة، وعوائق الجغرافيا الطبيعية، وصولاً إلى 'الانشطار العقلاني' الذي أحدثه الاستعمار باختلاف لغاته ومناهجه، لم يصنع حدوداً ترابية فحسب، بل شيد أسواراً ذهنية جعلت من 'الأشقاء' جيراناً غُرباء يتحدثون لغات سياسية وثقافية متباينة.

ولكن، هل تقف الفجوة عند حدود التاريخ واللغة؟ أم أن التباين في بنية الاقتصاد 'الريعي والمنتج' واختلاف بوصلة الأمن القومي قد أجهزا على ما تبقى من حلم التكامل؟ في الجزء الثاني، ننتقل من تشخيص الوجدان إلى تشريح المصالح، لنبحث عن مخرج واقعي يتجاوز برود الشعارات إلى حرارة الفعل المشترك.

 

د. عبد الواحد غيات

                                            باحث في العلوم السياسية

(يتبع في الجزء الثاني: صراع المصالح وأفق النهضة)