منير لكماني
كانت شمس شتاء الأطلس خافتة، لا تمنح من الدفء إلا إسمه، ولا ترسل من النور إلا ما يزيد الأشياء وحشة وإنكشافا. وكانت الريح تهب من سفوح الجبل هبوبا قاسيا، فتلسع الوجوه لسعا كأنها شفرات من ثلج مسنون، فيما السماء مكفهرة، عابسة الملامح، تظلل بيوت الطين المتوارية خلف شجر الدوم وأغصان الزيتون العجاف، كأن القرية كلها تنكمش من البرد وتلوذ بصمتها القديم.
في ذلك الصباح، خرجت أم يسرى من بيتها الطيني الواهن، وقد إلتحفت بكساء قديم من الحائك الممزق، لا يرد عن الجسد بأس الريح ولا يكف عنه حدة الصقيع. كانت تحتضن طفلتها الصغيرة إلى صدرها إحتضان من يضم جمرة أخيرة يخشى عليها من الإنطفاء، ويستبقي بها ما بقي من دفء الحياة. وكانت الأرض لا تزال مبللة من مطر الليلة الماضية، موحلة زلقة، ووقع أقدامها العارية على التراب البارد يشبه لحنا خافتا من أوجاع مكتومة، لا يسمعه الناس، ولكن تسمعه السماء.
مضت في الطريق المؤدي إلى السوق الأسبوعي في القرية المجاورة، ذلك السوق الذي تتقاطع فيه العربات، ويتناثر فيه صياح الباعة، وتتعالى فيه أصوات المساومة والنداء، وتختلط في هوائه رائحة الخبز الساخن المنبعث من التنور برائحة الغبار والرطوبة ووحل المسالك. لم تكن تملك شيئا تعرضه على الناس، ولا مالا تشتري به ما يسد الرمق ويدفع عن صغيرتها غوائل الجوع، وإنما خرجت وفي قلبها رجاء واهن، لعلها تجد قلبا يحن، أو عينا تبصر ما بها، أو أذنا تصغي إلى شكواها قبل أن تذروها الريح كما تذرو أوراق الخريف اليابسة.
جلست قرب دكان صغير يبيع الشاي والسكر وبعض القوت القليل، ووضعت طفلتها على حجرها تداعبها في رفق مشوب بالخشية، كأنها تخاف أن يوقظ الجوع بكاءها من جديد. وكان لسانها يلهج بطلب الرحمة في همس متقطع، لا هو بالسؤال الصريح، ولا هو بالصمت الكامل، وإنما هو إنكسار نفس أتعبها الإنتظار، وأرهقها الفقد، وأضناها طول المحنة.
إقترب منها الحاج امبارك، وكان شيخا معروفا بين أهل القرية بكرمه وحلمه، وبيد تعودت أن تمتد إلى المحتاج قبل أن يضطر إلى إراقة ماء وجهه. وقد لمح الدموع وقد حفرت أخاديد دقيقة على وجهها النحيل، ورأى في ملامحها شحوب السهر، وفي عينيها بقايا ليل طويل لم تعرف فيه دفئا ولا قرارا. فقال لها برفق يليق بقلوب الرحماء:
“أخية، لم تجلسين في هذا البرد القارس، ووجهك يحدث عن ليل بلا نار؟”
فخفضت بصرها، كأن الحياء يثقل جفونها، ثم قالت بصوت خفيض متكسر، يحمل من الأسى أكثر مما تحمل الكلمات:
“مات سيدي أحمد، وكنت أعيش بما يزرع ويبيع، فلما أخذه الله، لم يبق لي إلا هذه الصغيرة… جف اللبن وجف الأمل، ولا حيلة إلا بالدعاء.”
فما إن سمع الحاج امبارك كلامها، حتى رق لها قلبه رقة الأرض إذا مسها الغيث بعد جدب. مد يده إلى جرابه، وأخرج دراهم معدودة، ثم تناول لها قطعة خبز ساخن من التنور الملاصق للدكان، وقد ظلت تفوح منه رائحة القمح والدفء، كأنه بعض عزاء عاجل في وجه هذا البرد الجافي. ثم قال بصوت هادئ مطمئن:
“خذي هذه يا بنت الجبل، فالله لا ينسى عبده إذا دعا، والناس لبعضهم رحم.”
ترددت لحظة، وقد تنازعتها الحاجة وعزة النفس، ثم رفعت إليه نظرها بعينين يغمرهما الإمتنان المخلوط بالحياء، وقالت بصوت خافت ولكنه صادق النبرة، عميق الأثر:
“جزاك الله خيرا، لولا مثلك لإندثرت الرحمة من ديارنا.”
ثم إنصرفت وهي تهدهد إبنتها، تمشي بخطى واهنة بين الأزقة المبللة، كأن كل خطوة تنتزعها من تعب وتردها إلى رجاء. وكانت الجبال من حولها صامتة في جلال مهيب، كأنها تحفظ سر الوجع الإنساني في صخورها، وتكتم أنين الفقراء في تجاويفها العتيقة. وفي المساء، كانت النار الصغيرة في بيتها الطيني تشتعل على إستحياء، تبعث دفئا قليلا ولكنه ثمين، وكانت رائحة الخبز تفوح في الأرجاء، فيما الطفلة تضحك للمرة الأولى منذ أسابيع، ضحكة خفيفة كأنها بشارة صغيرة أرسلها الله في الوقت المناسب.
رفعت الأم بصرها نحو السماء الزرقاء بعد المطر، وقد إنقشعت عنها غشاوة الغيم، وقالت هامسة في خشوع يقطر رجاء:
“اللهم كما أنبت الزرع في القفر، فأنبت في قلوب الناس رحمة لا تذبل.”
ومنذ ذلك اليوم، عرفها أهل القرية بـ “أم الرحمة”، وكانت كلما رأت محتاجا في الطريق، أو لمحت على وجه عابر آثار ضيق أو إنكسار، رق قلبها له، ومدت إليه ما إستطاعت من عون أو كلمة طيبة، ثم تقول في يقين من جرب الفاقة وذاق طعم المواساة:
“المال يزول، لكن الدعاء يبقى كالطيب، لا يفنى أثره.”