الأميرة للا مريم تلتقط صورة مع طفلة(أرشيف)
في المجلس الوزاري الأخير الذي ترأسه جلالة الملك، لم يكن القرار المتعلق بإدراج الوكالة الوطنية لحماية الطفولة ضمن المؤسسات العمومية الاستراتيجية مجرد تفصيل تقني عابر، بل كان لحظة سياسية وحقوقية كثيفة الدلالة.
فأن توضع هذه الوكالة، وهي حديثة العهد قانونا ولم تر النور بعد، في نفس مرتبة مؤسسات كبرى مثل صندوق الإيداع والتدبير، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ليس أمرا عاديا.
هذا الترتيب المؤسساتي يحمل رسالة واضحة مفادها أن حماية الطفولة لم تعد شأنا اجتماعيا ثانويا، بل أصبحت قضية سيادية تدخل في صميم اختيارات الدولة الاستراتيجية. فالطفولة هنا لا تعامل كموضوع رعاية فقط، بل كحاملة لحقوق، في تحول يعكس شكلا من أشكال الانصاف المؤسسي لقضية طالما وضعت في الهامش.
غير أن هذه اللحظة لا يمكن فصلها عن المسار الطويل والمتعرج الذي عرفته فكرة إحداث هذه الوكالة. فالمشروع ليس وليد اليوم، بل هو نتاج محاولات متراكمة منذ حكومة عبد اللطيف الفيلالي، وزليخة النصري، حيث ظلت الفكرة تتردد بين قطاعات مختلفة دون أن تجد قيادة موحدة تحسم اتجاهها.
وهنا يبرز الدور الهام الذي اضطلع به عزيز اخنوش حين استرجع زمام المبادرة على مستوى رئاسة الحكومة، بعد أن كاد تعدد المشاريع القطاعية أن يفرغ الفكرة من مضمونها. فلم يعد الأمر مجرد مشروع إداري، بل أصبح مشروع دولة، اسند تنسيقه إلى وزارة العدل لصياغة نص جامع يستوعب مختلف المقاربات.
هذا التحول كان مفصليا، لأنه نقل المشروع من التردد إلى الحسم، ومن التشتت إلى الوحدة. وهو ما يحسب لرئاسة الحكومة، التي أدركت أن قضايا من هذا النوع لا تحتمل التجريب المفتوح.
لكن، وفي خضم هذا المسار، تبرز لحظة لا تقل أهمية. فقد بادر مجلس النواب إلى طلب رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهي خطوة تعكس مبدأ التشاور وتكامل المؤسسات، وكان يفترض أن تشكل لحظة انصات مؤسساتي حقيقي.
غير أن ما وقع بعد ذلك يطرح تساؤلات مشروعة، إذ تم عرض النص للتصويت قبل التوصل الفعلي برأي المجلس. وهنا لا يتعلق الأمر بشكلية اجرائية، بل بجوهر العملية التشريعية نفسها. لأن الانصات ليس ترفا، بل شرطا لجودة القرار، خاصة في قضايا بهذا العمق.
ومع ذلك، فإن الرهان اليوم لم يعد في تسجيل الملاحظات، بل في تأمين المستقبل. فالقانون، رغم أهميته، يظل معلقا ما لم يترجم إلى نصوص تطبيقية واضحة، خاصة وأن اكثر من 15 فصلا يحيل على عدد مهم من المراسيم والقرارات التنظيمية.
وهنا تعود المسؤولية إلى رئاسة الحكومة لاستكمال البناء. فإذا كان لها أن تعتز بأنها قادت هذا المشروع إلى بر الأمان، فإن التحدي اليوم هو تسريع إخراج النصوص التطبيقية. لأن كل تأخير بالنسبة لهذه الوكالة لا يعني فقط تعطيل مؤسسة، بل تأجيل حماية أطفال يوجدون اليوم في وضعيات هشاشة.
وفي الاخير، فإن ارتقاء حماية الطفولة بقرار ملكي سام إلى مرتبة المؤسسات الاستراتيجية هو انصاف مستحق. وبالتالي فإن الاستعجال القبلي لاسدال الستار، والذي اخلف موعدا دستوريا للانصات، لن يؤثر في المسار.
وبين ما يقال وما لا يقال… لا تستقيم الدولة الا حين تنصت .