خالد الإدريسي
لم تكن مهنة المحاماة، في الآونة الأخيرة، بمنأى عن موجة من "الإسهال التشريعي" التي طالت عددا من القوانين المرتبطة بمجال العدالة والمهن القضائية والقانونية، وهي موجة لا يمكن اختزالها في مجرد دينامية إصلاحية طبيعية، بقدر ما تعكس توجها لإعادة ضبط المنظومة برمتها وفق توازنات جديدة، تمكن بعض الأطراف من توسيع نفوذها على حساب أطراف أخرى، في إطار منظور يتجه، بشكل متنام، نحو تقليص هامش الحريات وترسيخ مقاربة يغلب عليها الطابع الأمني أكثر مما تستحضر منطق الحقوق والضمانات.
وفي هذا السياق، لا يمكن تقديم قراءة سليمة لمشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 في صيغته الجديدة، من خلال مقاربة تقنية صرفه تكتفي برصد التعديلات أو مقارنة الصيغ، بل يتعين، بالأساس، استحضار السياق العام الذي حكم مسار التفاوض، وطبيعة التدبير الذي طبع هذه المرحلة، سواء من حيث المنهجية المعتمدة أو من حيث تموقع الفاعلين داخلها. ذلك أن الطريقة التي تم بها تدبير هذا الورش، من قبل رئاسة الجمعية ولجنتها، والتي اتسمت بطابع انفرادي، وبتكتم شديد، وبارتباك واضح في تدبير المحطات النضالية، فضلا عن توظيف القواعد المهنية في معارك لم تفض إلى نتائج نوعية، تفرض قراءة تتجاوز النص إلى ما وراءه، وتربط بين المخرجات والسياقات التي أفرزتها.
ولذلك، فإنه يمكن القول، كما سبق التأكيد عليه في مناسبات سابقة، إن المرحلة الحالية في تدبير الشأن المهني على مستوى جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعد من أضعف المراحل على المستوى المؤسساتي، ليس فقط بالنظر إلى مآلات هذا المشروع، ولكن أيضا بالنظر إلى ما رافقها من تمرير لعدد من النصوص القانونية التي كان لها أثر مباشر أو غير مباشر على المهنة، من قبيل قانوني المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية، وقانون الإضراب، والمرسوم المنظم لمعهد المهن القانونية والقضائية وكتابة الضبط، وغيرها من القوانين التي تفرخت خلال هذه الولاية بشكل متسارع، وكانت في مجملها ذات انعكاسات سلبية على مكانة المحاماة وأدوارها داخل منظومة العدالة.
وإذا كان من الثابت أن مهنة المحاماة، بحكم طبيعتها، لا تستقيم إلا بثوابتها الراسخة، وفي مقدمتها الاستقلالية والحصانة واحتكار بعض مجالات الاشتغال، فإن أي مساس بهذه المرتكزات، تحت غطاء الإصلاح أو التحديث، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تقزيم دورها وتقليم أظافرها، بما يجعلها أقل قدرة على أداء وظيفتها الأساسية في الدفاع عن الحقوق والحريات.
وانطلاقا من هذا المنظور، تروم هذه القراءة تقديم ملاحظات أولية حول مشروع قانون 66.23 في صيغته الجديدة، من خلال تقييم وضعية المهنة والمنتسبين إليها في ظل هذا النص، وذلك عبر مقاربة متعددة المستويات، تشمل السياق العام الذي أفرز المشروع، ومدى انعكاس مقتضياته على ثوابت المهنة المرتبطة بالاستقلالية والحصانة والاحتكار ومجال العمل، فضلا عن رصد ما قد يترتب عنه من تضييق على الممارسة المهنية وتقييد لمرونتها، وكذا الوقوف عند الإشكالات المرتبطة بالتمثيلية المؤسساتية داخل أجهزة المهنة. وهي قراءة لا تدعي الإحاطة الشاملة، بقدر ما تسعى إلى إثارة نقاش مهني صريح ومسؤول، يعيد وضع مصلحة المهنة وثوابتها في صلب كل تفكير إصلاحي حقيقي.
أولا: ملاحظات أولية مرتبطة بالسياق العام للمشروع
1)إن الصيغة الجديدة للمشروع لم تأت في سياق عادي، بل جاءت عقب معركة مهنية ونضالية قوية، لجأ فيها المحامون، نساء ورجالا، إلى أشكال غير مسبوقة من الاحتجاج، تعبيرا عن رفضهم القاطع لأي مساس باستقلالية المهنة وحصانتها، واحتجاجا على كل ما من شأنه التضييق على مجال اشتغالهم أو الحد من اختصاصاتهم. وقد عكست هذه المرحلة حضورا نوعيا ووعيا جماعيا عميقا، أكد من خلاله الجسم المهني، بكل مكوناته، أن مهنة المحاماة ليست مجرد إطار مهني، بل منظومة قيم ومبادئ لا تقبل التفريط، وأن الدفاع عن ثوابتها يعلو على كل اعتبار، مهما كانت الكلفة والتضحيات.
2)وجاءت هذه الصيغة كذلك في سياق تحول مؤسساتي بارز، بعد سحب الملف من إشراف وزير العدل وإحالته على رئاسة الحكومة، حيث أسندت معالجته إلى لجنة ثنائية ضمت نقباء عن مكتب الجمعية ولجنة تقنية تابعة لرئاسة الحكومة. غير أن أشغال هذه اللجنة جرت في إطار من السرية التامة، على غرار المرحلة السابقة، وهو ما أفضى إلى مخرجات جاءت في جزء مهم منها مخالفة لما تم تداوله أو التوافق حوله، بحسب ادعاءات ممثل المهنة في التفاوض.
3)إن هذا الاتفاق جاء في تعارض صريح مع مخرجات مجلس الجمعية المنعقد بمدينة مراكش، والذي خلص إلى توصية واضحة وحيدة تتمثل في سحب المشروع، دون أن يخول لرئيس الجمعية أو لمكتبها أو لأي لجنة منبثقة عنها صلاحية التفاوض بشأن إدخال تعديلات عليه، وهو ما يجعل ما تم خارجا عن الإطار التقريري للمجلس، ومخالفا للإرادة الجماعية التي عبّر عنها الجسم المهني في أعلى هيئة تقريرية. كما يترتب عن ذلك أن رئيس الجمعية ولجنتها، ذات الطابع الاستشاري، قد تجاوزتا حدود التفويض المخول لهما، بما يشكل خروجا عن الاختصاصات المقررة لفائدة مجلس الجمعية، باعتباره الجهة الوحيدة المخول لها اتخاذ القرار في مثل هذه القضايا المصيرية.
4)يلاحظ أن عددا من المقتضيات التي سبق لرئيس الجمعية أن صرح، خلال ندوته الصحفية إبان الإضراب، بأنها فرضت من طرف وزير العدل دون توافق، عادت لتبرز بشكل واضح في الصيغة الجديدة التي تم التوصل إليها مع رئاسة الحكومة. وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول مصداقية الخطاب المهني خلال مرحلة التفاوض، ويضعنا أمام مفارقة حقيقية تتعلق بما إذا كانت تلك المقتضيات بالفعل مفروضة وتم رفضها، أم أنها كانت محل قبول ضمني، وان الضغط الذي مارسه المحامين هو سبب تراجع الممثل المهني عن هذه التوافقات وإنكارها، وما يوكد الشكوك هو انه تم تكريسها في الصيغة الحالية المتوافق عليها؟ وهو إشكال لا يمس فقط مضمون المشروع، بل يمتد إلى منهجية التفاوض ومستوى تمثيلية الموقف المهني خلالها.
5)إن ما تم الترويج له فب البلاغ الصادر بخصوص "الترافع أمام البرلمان" لا يعدو أن يكون في حقيقته تمويها شكليا يهدف إلى إضفاء مسحة من المشروعية على مسار تشريعي حسمت ملامحه سلفا، ذلك أن المشروع أُحيل على المؤسسة التشريعية في صيغة قدمت على أنها محل توافق مع التمثيلية المهنية، وهو ما يفرغ أي تدخل لاحق من محتواه النقدي أو التعديلي. فضلا عن ذلك، فإن الحكومة بحكم تمتعها بأغلبية برلمانية مريحة ومنسجمة، تملك القدرة الكاملة على تمرير النص كما هو، دون أن تكون ملزمة سياسيا أو أخلاقيا بالاستجابة لمقترحات التعديل أو لملاحظات الفرق البرلمانية، ناهيك عن الهيئات المهنية. وبذلك، يتحول ما يسمى بالترافع البرلماني إلى مجرد إجراء صوري يفتقد لشروط التأثير الفعلي، ولا يرقى إلى مستوى آلية حقيقية لإعادة مناقشة المشروع أو تصحيح اختلالاته، خاصة في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لفتح نقاش تشريعي جاد وتعددي حول نص يمس في العمق مهنة أساسية في منظومة العدالة.
6)إن هذا التراجع لا يمكن عزله عن سياق عام من التراجعات المتتالية التي مست عددا من القوانين المرتبطة بمنظومة العدالة، سواء تلك ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بمهنة المحاماة، والتي كان لها أثر بالغ وخطير على المهنة وعلى المنتسبين إليها. ولعل ما عرفه كل من قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية يشكلان خير دليل على هذا المنحى، بما تضمنته بعض مقتضياتهما من مساس بالتوازنات المهنية، وتقليص لدور المحامي في عدد من مراحل التقاضي، فضلا عن إضعاف بعض الضمانات الأساسية المرتبطة بالمحاكمة العادلة، وهو ما يعكس توجها تشريعيا متراكماً يسير في اتجاه إعادة تشكيل موقع المحاماة داخل منظومة العدالة على نحو يحد من فعاليتها ويؤثر على رسالتها.
7)إن جموع المحاميات والمحامين كانوا في مستوى المسؤولية التاريخية، إذ كانوا واعون بحجم المرحلة وتصدوا بحزم لكل محاولات الالتفاف على استقلالية المهنة أو السعي إلى تدجينها، معبرين عن موقف مهني موحد وصلب. غير أن مسار التفاوض، بكل أسف، لم يكن في مستوى تلك التطلعات المشروعة، ولم يعكس الطموح الجماعي للمهنة، حيث تم اعتماده بمنهجية أحادية غير تشاركية، أقصت القواعد المهنية وجعلتها في موقع المتلقي لا الفاعل، دون إشراك فعلي أو اطلاع حقيقي على مضمون نص قانوني ينظم حاضرها ويرسم معالم مستقبلها الفردي والجماعي، الأمر الذي أفرغ هذا المسار من مقوماته التمثيلية وأضعف من مشروعيته داخل الجسم المهني.
8)إنه بالتأمل في مضمون الصيغة الجديدة، يتبين أن ما تم حذفه لا يتجاوز بعض مظاهر العلاقة – ولا أقول الإشراف – بين وزارة العدل والمؤسسات المهنية، من خلال تقليص مجال تبليغها بعدد من الإجراءات ذات الطابع الإداري. غير أن التدقيق في طبيعة هذه الإجراءات يكشف أنها لم تكن، في أصلها، تشكل أي شكل من أشكال الإشراف الفعلي أو الوصاية على الهيئات، ولم تكن تمس بجوهر استقلالية المهنة، ذلك أن الوزارة لم تكن تملك بشأنها سلطة رقابة أو حق الطعن في القرارات المتخذة من طرف المؤسسات المهنية. وعليه، فإن تقديم هذا الحذف كـ"مكسب تفاوضي" يظل أمرا مبالغا فيه، ما دام أنه انصب على جوانب شكلية لا تؤثر في التوازن الحقيقي للعلاقة. وفي المقابل، ظلت القضايا الجوهرية المرتبطة بالاستقلالية، والحصانة، واحتكار المهنة، على حالها كما وردت في المشروع السابق، الذي قوبل برفض واسع من طرف آلاف المحامين، الذين خرجوا للتنديد بخطورته على المهنة وممتهنيها، وعلى منظومة العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية بصفة عامة، وهو ما يفقد هذه التعديلات أي قيمة جوهرية ضمن منطق الإصلاح الحقيقي.
ثانيا: ملاحظات مرتبطة بالسياق الخاص لمقتضيات الصيغة الجديدة للمشروع
·المساس بمبدأ الاستقلالية:
1) في استمرار هيمنة وزارة العدل رغم التعديلات الشكلية:
رغم ما تم الترويج له بخصوص حذف بعض المقتضيات التي كانت تلزم المؤسسات المهنية بتبليغ عدد من الإجراءات لوزارة العدل، فإن هذه التعديلات تظل، في جوهرها، غير ذات أثر حقيقي، لكونها انصبت على إجراءات إدارية صرفه لم تكن، في الأصل، تمنح الوزارة أي سلطة فعلية للإشراف أو الإلغاء أو الطعن، مما يجعل حذفها كالإبقاء عليها من حيث الأثر القانوني. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فيما تم حذفه، بل فيما تم الإبقاء عليه من اختصاصات جوهرية تكرس حضور وزارة العدل وهيمنتها داخل مجالات حيوية تمس صميم استقلالية المهنة.
فالمادة 11 من المشروع تسند للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل صلاحية تحديد نظام وكيفية إجراء مباراة ولوج المعهد، وكذا كيفية قضاء فترة التكوين، وهو ما يعني عمليا أن وزارة العدل تتحكم في المدخل الأساسي للمهنة، من خلال تأطير مسار التكوين والتأهيل، دون إشراك فعلي وحاسم للمؤسسات المهنية في اختيار وتكوين الأجيال الجديدة من المحامين، مما يحول هذه المؤسسات إلى مجرد متلق لأفواج مكونة خارج إرادتها، ويشكل بذلك انتقاصا بينا من استقلالها البنيوي.
كما أن المادة 18 من المشروع، وإن كانت تبقي ظاهريا على اختصاص الهيئات في تحديد واجبات الانخراط، فإنها تقيده بإطار مرجعي يحدد بنص تنظيمي، بما يفيد عمليا نقل السلطة الحقيقية إلى الجهة التي تضع هذا الإطار، أي وزارة العدل. وهو ما يشكل نوعا من "التحايل التشريعي"، حيث يتم منح الاختصاص شكليا للمؤسسة المهنية، ثم تقييده جوهريا عبر آليات تنظيمية خارجية، بما يؤدي إلى سلبه من مضمونه الفعلي، في مساس واضح باستقلالية القرار المهني.
أما المادة 41 من المشروع، فقد ذهبت أبعد من ذلك حين ألزمت المحامي بالتكوين المستمر تحت طائلة اعتباره مخالفة مهنية، وهو توجه قد يبدو إيجابيا من حيث المبدأ، غير أن الإشكال يكمن في كون برنامج هذا التكوين لا يترك لتقدير الهيئات المهنية، بل يعد من طرف المعهد، الذي يخضع بدوره لإشراف وزارة العدل، وهو ما يفضي إلى إخضاع جانب أساسي من المسار المهني للمحامي لتوجيهات خارجية، في تعارض مع مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة.
وبذلك، يتضح أن ما تم تقديمه كمكاسب على مستوى تقليص حضور الوزارة، لا يعدو أن يكون تعديلا شكليا، في حين ظل جوهر الاختصاصات المؤثرة بيد السلطة الحكومية، بما يكرس نوعا من الهيمنة غير المباشرة، ويطرح إشكالا حقيقيا حول مدى احترام مبدأ استقلالية مهنة المحاماة كما هو متعارف عليه دستوريا ومهنيا.
2)تضخم دور القضاء على حساب المؤسسات المهنية:
يتجلى المساس بمبدأ الاستقلالية كذلك من خلال التوسع الملحوظ في مستوى الرقابة القضائية على قرارات المؤسسات المهنية، بما يفوق حدود الضمان المشروع إلى درجة الحلول محلها في تدبير شؤونها. فالمادة 79 من المشروع تلزم النقيب بتنفيذ مقررات الإفراغ داخل أجل محدد في 60 يوما، تحت طائلة تدخل المحكمة للقيام مقامه في حالة عدم التنفيذ، وهو ما يشكل تراجعا واضحا عن الوضع القائم الذي كان يمنح النقيب سلطة تقديرية في تدبير هذه العملية، بشكل يراعي خصوصية المهنة، ويحفظ التوازن بين حقوق الأطراف، ويصون الاعتبارات المرتبطة بالسر المهني. إن تحديد أجل إلزامي مقرون بجزاء الحلول القضائي لا يفرغ فقط سلطة النقيب من محتواها، بل ينقل مركز القرار من المؤسسة المهنية إلى القضاء، في مجال يفترض أن يظل من صميم اختصاصها.
كما أن المادة 98 من المشروع منحت لغرفة المشورة صلاحية التصدي في حالة عدم بت مجلس الهيئة داخل الأجل، وهو ما يمثل امتدادا لنفس المنطق القائم على تقليص دور المؤسسات المهنية وتعويضه بتدخل قضائي مباشر. فبدل تعزيز آليات النجاعة داخل هذه المؤسسات، يتم اللجوء إلى تمكين القضاء من الحلول محلها، بما يؤدي إلى إضعاف استقلاليتها وتكريس نوع من الوصاية غير المباشرة عليها.
وبذلك، فإن هذه المقتضيات لا تندرج في إطار ضمان حسن سير المساطر فحسب، بل تعكس توجها تشريعيا واضحا نحو إعادة توزيع الاختصاصات لفائدة القضاء، على حساب المؤسسات المهنية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، الذي يعد أحد ركائز استقلالها.
3) في تعزيز أدوار النيابة العامة على حساب استقلالية المؤسسات المهنية:
أن المشروع قد اتجه نحو توسيع صلاحيات النيابة العامة بشكل ملحوظ داخل المسطرة التأديبية، بما من شأنه التأثير المباشر على استقلالية المؤسسات المهنية وتقليص مجال تدخلها الذاتي. فالمادة 98 من المشروع، من خلال تقصير آجال البت، تفرض ايقاعا زمنيا ضيقا لا يراعي واقع اشتغال مؤسسة النقيب ومجلس الهيئة، وهو ما سيؤدي عمليا إلى إرهاقهما، ويفضي في كثير من الحالات إلى صدور قرارات ضمنية نتيجة تعذر البت داخل الآجال المحددة. كما أن هذا التضييق الزمني سيصطدم بصعوبات التبليغ والإجراءات المسطرية، بما قد ينعكس سلبا على ضمانات المحاكمة التأديبية العادلة، التي تقتضي التروي والتمكين من حقوق الدفاع.
من جهة أخرى، فإن منح المشتكي حق الطعن في قرارات المسطرة التأديبية، رغم أنه ليس طرفا فيها ولا يمكنه أن يتنصب كطرف مدني، يشكل توسعا غير مبرر في دائرة المتدخلين، ويؤدي إلى إدخال منطق الخصومة الشخصية داخل مسطرة يفترض فيها الطابع المهني الصرف. ويزداد هذا التوجه غرابة إذا عرفنا ان المادة 96 من المشروع تخول لكل من النيابة العامة والمشتكي إمكانية تحريك الدعوى العمومية، وبالتالي يبقى السؤال المطروح هو ما الداعي لاقرار هذا الحق الإجرائي لفائدة المشتكي الذي سيؤثر لا محالة على ضمانات المحامي في الممارسة المهنية.
كما أن تمكين النيابة العامة من منازعة قرارات النقيب أمام مجلس الهيئة لا يمس فقط بالسلطة التقديرية للنقيب، بل ينعكس أيضا على مكانته الرمزية داخل البناء المهني، ويخلق نوعا من التوتر أو عدم الانسجام بينه وبين مجلسه، في وقت يفترض فيه أن تقوم العلاقة بينهما على التكامل والتعاون لضمان حسن سير المؤسسة.
وتبلغ هذه الهيمنة مداها في المادة 103 من المشروع، التي تلزم النقيب باتخاذ إجراءات تنفيذ المقررات التأديبية داخل أجل لا يتجاوز 48 ساعة في حالة عدم التنفيذ الودي، تحت طائلة حلول النيابة العامة محله للقيام بالتنفيذ. وهو ما يشكل انتقالا خطيرا من دور النيابة العامة كجهة رقابية تمارس حق الطعن وتتبع المشروعية، إلى جهة ذات صلاحيات تقريرية وتنفيذية تحل محل المؤسسة المهنية في اختصاصاتها، بما يترتب عنه إضعاف واضح لدور النقيب ومجلس الهيئة، ومساس مباشر بمبدأ الاستقلالية الذي يقوم عليه التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة.
-المساس بمبدأ بالحصانة:
أن المشروع رغم تخصيصه بابا لحصانة الدفاع، قد أدرج في المقابل مقتضيات من شأنها تقييد هذه الحصانة بشكل غير مباشر، سواء على المستوى الموضوعي أو الإجرائي. فعلى المستوى الموضوعي، جاءت المادة 77 من المشروع بمفهوم "الإخلال بالسير العادي للجلسة"، وهو تعبير يفتقر إلى الدقة القانونية، ويظل فضفاضا وقابلا لتأويلات متباينة، بما يتعارض مع مبدأ الشرعية الذي يقتضي وضوح الأفعال المؤثمة وتحديدها بشكل دقيق. إذ يمكن أن يفسر هذا المفهوم بشكل موسع ليشمل ممارسات تدخل في صميم حق الدفاع، كحدة المرافعة، أو الإصرار على تسجيل طلبات في محضر الجلسة، أو إثارة دفوع بشكل قد لا يستسيغه القاضي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تقييد حرية المحامي في أداء رسالته تحت غطاء الحفاظ على النظام داخل الجلسة.
أما على المستوى الإجرائي، فإن نفس المادة تقرر أجالا قصيرة ملزمة للنقيب لاتخاذ قرار في هذه الحالات، حيث يؤدي عدم البت داخل أجل خمسة عشر يوماً إلى إحالة الملف على غرفة المشورة للبت فيه، بناء على تدخل النيابة العامة، وهو ما يشكل تقليصا لدور المؤسسة المهنية في تدبير هذه الوقائع، ويفتح المجال أمام القضاء للتدخل المباشر في مجال يفترض أن يبقى خاضعا للتقدير المهني. كما أن هذا المسار يطرح إشكالا على مستوى ضمانات التقاضي، من خلال تقليص فعلي لمبدأ التقاضي على درجتين، والاكتفاء بدرجة واحدة في بعض الحالات، بما قد يؤثر على حقوق الدفاع.
ويزداد هذا التوجه وضوحا من خلال المادة 96 من المشروع، التي تمنح للمشتكي إمكانية الطعن في قرارات الحفظ الصادرة لفائدة المحامي، رغم أنه لا يعد طرفا في المسطرة التأديبية. وهو ما من شأنه إضعاف حصانة المحامي، من خلال فتح الباب أمام تتبع مساطر تأديبية قد تكون مدفوعة بخلفيات شخصية أو انتقامية، وإقحام المحامي في نزاعات متكررة خارج الإطار المهني الصرف، بما يؤثر سلبا على استقرار ممارسته وعلى الأمن القانوني الذي يفترض أن يحيط بمهنة الدفاع.
وبذلك، يتضح أن المشروع، بدل أن يعزز حصانة المحامي ويوطد ضماناتها، قد أدرج مقتضيات تقيدها عمليا، سواء عبر مفاهيم غير منضبطة أو من خلال توسيع آليات الطعن والتدخل الخارجي، بما يفرغ هذا المبدأ من محتواه الفعلي.
المساس بمبدأ الإحتكار ومجال العمل:
أن الصيغة الجديدة للمشروع لم تأت بأي مكتسب نوعي من شأنه توسيع مجال اختصاص المحامي، خاصة فيما يتعلق بإقرار إلزامية النيابة بالنسبة للدولة والإدارات العمومية والجماعات الترابية وكذا الشركات التجارية، وهو مطلب ظل، تاريخيا، في صلب المطالب المهنية الرامية إلى تعزيز مكانة المحامي داخل منظومة العدالة وضمان جودة التمثيل القانوني للأشخاص المعنوية. غير أن المشروع، وعلى خلاف ذلك، أبقى على نفس الوضع القائم، بل كرسه من خلال المادة 38 من المشروع التي وسعت من الاستثناءات الواردة على مبدأ إلزامية التمثيل بواسطة محام، سواء في القضايا الخاضعة للمسطرة الشفوية أو في بعض القضايا الزجرية وغيرها، مما يؤدي عمليا إلى تقليص مجال تدخل المحامي داخل منظومة التقاضي، وإضعاف دوره في ضمان شروط المحاكمة العادلة.
كما أن هذا المشروع لا يمكن فصله عن السياق التشريعي العام الذي اتجه نحو الحد من حضور المحامي، سواء عبر قوانين المسطرة التي دخلت حيز التطبيق أو من خلال الإحالة الضمنية على مقتضيات تتيح البت في عدد من المنازعات دون إلزامية التمثيل، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الدفاع ويفرغ دور المحامي من مضمونه المؤسساتي.
وعلى مستوى أعمق، فإن المشروع لم يعمل على تدعيم مبدأ احتكار المحامي للمهام القانونية، بقدر ما فتح المجال لتعدد المتدخلين، سواء على مستوى التمثيل أو الاستشارة أو الممارسة، وهو ما يتجلى من خلال المادة 26 من المشروع التي تسمح بإبرام عقود تعاون مع محامين أجانب أو شركات مهنية أجنبية، في غياب إطار دقيق يضمن تكافؤ الفرص ويحمي الممارسة الوطنية. ويزداد هذا التوجه خطورة من خلال المادة 35 من المشروع، التي تخول لوزير العدل، بصفة استثنائية، الترخيص لمكاتب محاماة أجنبية لا تربط بلدانها أي اتفاقية مع المملكة، بممارسة مهام مهنية داخل التراب الوطني، وهو ما يشكل خرقا لمبدأ المعاملة بالمثل، ويفتح المجال أمام ولوج فاعلين أجانب إلى السوق القانونية المغربية في ظروف غير متكافئة مع المحامين المغاربة، خاصة في غياب ضمانات مقابلة تتيح لهؤلاء الأخيرين نفس فرص الممارسة بالخارج.
كما أن السماح للمحامين الأجانب، أو حتى للمحامين المغاربة الممارسين بالخارج، بإبرام عقود تعاون ومزاولة أنشطة داخل المغرب، يساهم في خلق منافسة غير متوازنة داخل سوق يعاني أصلا من هشاشة اقتصادية، ويؤدي إلى تضييق مجال اشتغال المحامين المغاربة، عوض دعمه وتوسيعه. وبذلك، فإن المشروع، بدل أن يعزز احتكار المحامي ويحصن مجاله المهني، قد اتجه نحو تفكيكه بشكل تدريجي، سواء عبر توسيع الاستثناءات، أو من خلال فتح السوق أمام فاعلين خارجيين، في غياب رؤية متكاملة توازن بين الانفتاح وحماية الممارسة الوطنية، وهو ما يشكل مساسا واضحا بدور المحامي كفاعل أساسي في تحقيق الأمن القانوني والقضائي.
تعقيد الممارسة المهنية:
أن المشروع اتجه نحو تكريس نزعة شكلية وتقنينية مفرطة، من شأنها تعقيد الممارسة المهنية للمحامي وإثقالها بقيود إجرائية لا تنسجم مع طبيعتها المرنة. ففي هذا الإطار، أوجبت المادة 54 توفر تكليف مكتوب كشرط لمباشرة المهام، مع ترتيب أثر خطير يتمثل، وفق المادة 55، في سقوط الحق في المطالبة بالأتعاب عند غياب هذا التكليف، وهو ما يشكل تحولا جوهريا من مرونة إثبات الوكالة إلى شكليتها الصارمة. والحال أن العمل القضائي والمهني استقر على قبول وسائل متعددة لإثبات التوكيل، بما فيها التصريح أو المراسلات أو أي قرينة تفيد قيام العلاقة التمثيلية، وهو ما ينسجم مع طبيعة المهنة التي تقتضي السرعة والنجاعة، خاصة في القضايا الاستعجالية. أما هذا التوجه، فإنه لا يخدم الأمن القانوني بقدر ما يعرض المحامي لمخاطر مهنية غير مبررة، ويعرقل ولوج المتقاضين إلى الدفاع.
وفي نفس السياق، نصت المادة 72 من المشروع على إلزامية أداء الأتعاب التي تفوق عشرة آلاف درهم بواسطة شيك أو وسيلة أداء إلكترونية، وهو ما يشكل تدخلا مباشرا في حرية التعاقد بين المحامي وموكله، ويحد من إمكانية اختيار وسيلة الأداء المناسبة حسب طبيعة العلاقة والظروف الواقعية. ورغم ما يسوق لهذا المقتضى من أهداف مرتبطة بالشفافية، فإنه لا يراعي خصوصية الممارسة المهنية، ولا واقع التعاملات، وقد يفرز صعوبات عملية دون أن يحقق حماية إضافية حقيقية، خاصة في ظل وجود وسائل إثبات أخرى قائمة ومعترف بها.
كما أن المادة 68 من المشروع ألزمت المحامي بتسليم موكله وصولا عن كل وثيقة أو مبلغ يتم تسلمه، وهو مقتضى يبدو في ظاهره تنظيميا، لكنه في عمقه يضيف عبئا إداريا يوميا قد يثقل كاهل الممارسة، دون تمييز بين الحالات البسيطة والمعقدة، ودون مراعاة خصوصية العلاقة المهنية القائمة على الثقة.
ومن جهة أخرى، فإن المادة 64 من المشروع، من خلال منع المحامي من الاحتفاظ بالملف في حالة المنازعة، وإلغاء اختصاص النقيب في البت في هذا النزاع، تمثل مساسا مباشرا بسلطة المؤسسة المهنية في تدبير الخلافات المرتبطة بالعلاقة بين المحامي وموكله، وتنقل هذا المجال إلى خارج الإطار المهني، بما يحد من فعالية الوساطة المهنية ويضعف دور النقيب كضامن للتوازن داخل المهنة.
أما المادة 73 المشروع، فقد ألزمت المحامي بمسك محاسبة دقيقة ومنتظمة وفق نموذج محدد، وهو ما يقترب من منطق المقاولة التجارية أكثر منه من طبيعة الممارسة المهنية للمحاماة، التي تقوم على خصوصية العلاقة مع الموكل وعلى طابعها الشخصي والاعتباري. إن هذا التوجه، وإن كان يروم ضبط الجوانب المالية، فإنه يفرض نموذجا محاسبيا قد لا يتلاءم مع واقع المهنة، ويضيف التزامات تقنية وإدارية قد تثقل كاهل المحامي دون أن تنعكس بالضرورة على جودة الخدمة القانونية.
ولا يختلف الأمر بالنسبة للمادة 26 من المشروع، التي أرست نظاما للشراكة المهنية يبدوفي صورته الحالية أقرب إلى نموذج هجين، قد يفتح المجال أمام تمركز الممارسة في يد مكاتب كبرى قادرة على التوسع عبر هيئات متعددة، بما يهدد توازنات المهنة ويعمق الفوارق بين مكوناتها، بدل أن يعزز التكامل والتعاون بينها.
وبذلك، فإن هذه المقتضيات مجتمعة تعكس توجها عاما نحو "تقنين مفرط" للممارسة المهنية، يقوم على تغليب الاعتبارات الشكلية والإدارية، على حساب المرونة والفعالية، وهو ما من شأنه أن يعقد اشتغال المحامي، ويؤثر سلبا على جودة الخدمات القانونية وعلى ولوج المتقاضين إلى العدالة في ظروف مناسبة.
تكريس منظور رجعي حول التمثيلبة المؤسساتية:
1) في تكريس المصالح الخاصة وإعادة إنتاج النخب:
نسجل أن المشروع حافظ على امتيازات لفئة معينة داخل المهنة، من خلال الإبقاء على إمكانية ترشح النقباء، الحاليين منهم والسابقين، لولايات جديدة، بما يسمح عمليا بإعادة إنتاج نفس الأسماء داخل هرم التسيير المهني. وهو توجه لا ينسجم مع روح الإصلاح والتجديد، بل يتعارض مع التوصيات المتكررة لمؤتمرات جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي دعت إلى إقرار مبدأ الولاية الواحدة كآلية لتكريس التداول الديمقراطي وضخ دماء جديدة داخل المؤسسات المهنية.
وما يزيد من ترسيخ هذا التوجه، هو ما جاء في المادة 145 من المشروع، التي تقر مقتضيات انتقالية تجعل بعض القواعد الجديدة غير قابلة للتطبيق إلا على النقباء المنتخبين بعد دخول القانون حيز التنفيذ، وهو ما يفتح المجال أمام استمرار نفس الوجوه في تدبير الشأن المهني خلال المرحلة المقبلة، ويؤجل عمليا أي أثر إصلاحي محتمل. وبذلك فإن هذه الصياغة الانتقالية لا تعكس إرادة حقيقية في إحداث قطيعة مع أنماط التدبير السابقة، بل تؤكد توجها نحو تأمين استمرارية نفس النخب داخل مواقع القرار.
إن تكريس إمكانية إعادة الترشح، مدعومة بمقتضيات انتقالية مرنة، يفرغ مبدأ التداول من محتواه، ويفتح المجال أمام استمرارية مغلقة تعيد إنتاج نفس الفاعلين، بما يحد من بروز كفاءات جديدة قادرة على تطوير المهنة ومواكبة تحولات العدالة. كما يثير هذا الاختيار تساؤلات مشروعة حول خلفياته، خاصة في ظل سياق تفاوضي اتسم بغياب المقاربة التشاركية، مما يوحي بأن بعض المقتضيات لم تكن نتاجا لإرادة مهنية جماعية، بقدر ما كانت استجابة لاعتبارات فئوية تسعى إلى الحفاظ على مواقع مكتسبة. وبذلك، فإن هذا التوجه يعكس اختلالا في فلسفة الإصلاح، التي يفترض أن تقوم على توسيع قاعدة المشاركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل تكريس منطق الاستمرارية.
2) في تغييب مبدأ المناصفة وتمثيلية الزميلات:
ان تغييب واضح لمطلب المناصفة داخل مؤسسات المهنة، رغم ما راكمته الزميلات من نضال حقوقي ومهني في هذا الاتجاه. فهذا المطلب الذي يجد سنده في الدستور المغربي، باعتباره خيارا استراتيجيا يهدف إلى تحقيق المساواة بين النساء والرجال في مختلف مجالات القرار، لم يجد أي تجسيد فعلي في الصيغة الحالية للمشروع.
وإذا كانت بعض المقتضيات قد أشارت إلى ضرورة تمثيلية أحد الجنسين داخل المجالس المهنية، فإنها جاءت بصياغة فضفاضة. إذ نصت المادة 135 من المشروع على ما يلي: "تسعى هيئات المحامين لتحقيق مبدأ المناصفة خلال انتخاب أعضاء مجالسها، على ان لا تقل نسبة تمثيلية أحد الجنسين عن الثلث"، وهي عبارة تفتقد للإلزام القانوني الصريح، وتحيل على مجرد توجه أو نية دون أن ترتب أثرا قانونيا محددا في حالة عدم التقيد بها. وهو ما يجعل من هذه القاعدة مجرد مقتضى تكميلي غير ملزم، لا يرقى إلى مستوى ضمانة حقيقية لتكريس المناصفة أو حتى الحد الأدنى من التمثيلية المتوازنة.
وبذلك، فإن هذا الأسلوب التشريعي لا يعكس إرادة حقيقية لإدماج المرأة داخل مراكز القرار المهني، بل يكرس، بشكل غير مباشر، استمرار الوضع القائم، خاصة في ظل الصعوبات الواقعية التي تواجهها الزميلات في الولوج إلى مواقع المسؤولية داخل المجالس المهنية. وعليه، فإن غياب نص ملزم وواضح في هذا الباب من شأنه أن يجعل تمثيلية النساء رهينة بميزان القوى التقليدي، بدل أن تكون نتيجة لسياسة تشريعية إرادية تهدف إلى تصحيح اختلال بنيوي طال أمده داخل المهنة.
3) في إقصاء الشباب وتغليب منطق الأقدمية:
أن المشروع اتجه نحو رفع شرط الأقدمية المطلوبة للترشح إلى عشرين سنة من الممارسة بحسب مقتضيات المادة 132 من المشروع، بدل خمسة عشر سنة، وهو تعديل يفتقر إلى مبرر موضوعي واضح، ولا يستند إلى حاجة عملية حقيقية داخل المهنة. فمن جهة أولى، يتعارض هذا التوجه مع السياسات العامة التي تشجع على إشراك الشباب في تدبير الشأن العام وتعزيز حضورهم في مواقع المسؤولية، باعتبارهم رافعة أساسية للتجديد.
ومن جهة ثانية، فإن الواقع العملي يثبت أن تقلد المسؤوليات المهنية، وعلى رأسها منصب النقيب، لم يكن مرتبطا حصرا بعامل الأقدمية، بل بالكفاءة والتجربة النوعية والقدرة على التدبير. كما أن حالات تقلد هذه المسؤولية في سن مبكرة تظل محدودة، مما يفيد أن رفع هذا الشرط لا يستجيب لإشكال واقعي، بقدر ما يفرض قيدا اضافيا غير مبرر.
بل إن المقارنة مع التجارب المؤسساتية، وطنيا ودوليا، تظهر أن العديد من المناصب القيادية تسند لأشخاص في سن مبكرة نسبيا، متى توفرت فيهم الكفاءة، دون أن يعتبر عامل السن عائقا. وعليه، فإن هذا التعديل يعكس توجها محافظا يقوم على تغليب الأقدمية الزمنية على حساب الكفاءة والدينامية، وهو ما من شأنه أن يحد من فرص التجديد داخل أجهزة المهنة، ويضعف قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في مجال العدالة والخدمات القانونية.