عادل بنقاسم: ستوري الوطن

عادل بنقاسم: ستوري الوطن عادل بنقاسم

رقاب محنية، وركوعٌ اختياريٌ للوغاريتم؛ هكذا يبدو الشارع المغربي حين تنظر إليه من فوق بين ستوري يبيع رفاهية وآخر يصرخ بؤسًا، وبينهما يجلس الوطن أمام شاشته باحثًا عن نفسه.

لا يجد نفسه؛ يجد نسخة منقَحة، معدّلة الألوان، مُرشَحة من خوارزمية تعرف ما يريد أن يرى قبل أن يعرفه هو، والمشكلة ليست في الشاشة التي باتت تُعرفنا بأنفسنا.

مغربي اليوم يعيش حياتين لا حياة واحدة، الأولى في واقع صور طابور أمام إدارة، وفاتورة تتضخَّم، ومستشفى يعتذر، وحافلة لا تأتي، والثانية على الشاشة من خلال صورة في مطعم، وعطلة في الجبل، وكلام في التنمية الذاتية، ومسابقة لأجمل فيلٍ في تايلاند، وما بين الحياتين مسافة ليست رقمية، بل نفسية وسياسية وطبقية.

هذا الانفصام لم يُولَد من فراغ، هو نتاجُ عقدٍ من الصمت المُدار، حيث يُسمح لك بالتعبير ما دمتَ لا تُزعج ، وما يُقلقني  وأنا أُمارس حقِّي في القلق  ليس أنَ الناس يزيِفون حياتهم على الشاشة، فهذا قديم كالمجالس والزردات والعراضات، ما يُقلقني أنَّهم بدأوا يُصدِقون ما يُزيِفون؛ فحين تتراكم اللايكات على صورة ابتسامة، يصعب بعدها الاعتراف بأنَ ما وراء الصورة دموع ، وأن الهوية الرقمية لم تعد قناعًا يُرتدى بل صارت هي الهوية الأصل، والحياة الحقيقية هي من باتت تبدو مزيَّفة.

جيلٌ كامل يُعرف نجاحه بعدد المتابعين لا بعمق الأثر، ويقيس حضوره بالتفاعل لا بالفعل، ويُحاسب على صورته الرقمية قبل أن يُحاسب على قراراته الواقعية، وهذا ليس حكمًا أخلاقيا بل قراءة في قدرة الأدواتُ على تشكيل الوعي.

الخطابُ الرسمي تعلَّم لغة المنصات، باتت تملأ فضاءنا الرقمي هاشتاغات الإنجازات، وفيديوهات المشاريع، وإنفوغرافيك الأرقام، لكن بين إنفوغرافيك الصحة ومواطنٍ ينتظر موعدًا منذ ثلاثة أشهر، مسافة لا تسدُّها خوارزمية، بل الفجوة بين الستوري الرسمي والحياة اليومية هي بالضبط ما يُفسِر عودة الشارع الذي لا يقبل فلاتر.

المشكلة أنَّ الطرفين وأقصد هنا المواطن والدولة باتا يتواصلان عبر أقنعتهما الرقمية لا عبر حقائقهما، مواطن يُقدِّم نفسه أحسن مما هو عليه، ودولة تُقدِّم واقعا أجمل مما هو عليه، فينتج عن ذلك حوارٌ بين صورتين لا بين واقعين.

موقفٌ فقط وليس تشخيص...