حبيل رشيد: الحكامة الطرقية.. مقاربة قانونية ومؤسساتية لتحليل نموذج جهة فاس-مكناس

حبيل رشيد: الحكامة الطرقية.. مقاربة قانونية ومؤسساتية لتحليل نموذج جهة فاس-مكناس حبيل رشيد

لا شك أن الحكامة الطرقية أصبحت اليوم أحد المؤشرات المركزية التي يعتمد عليها في تقييم فعالية السياسات العمومية، حيث إن تدبير السلامة الطرقية لم يعد مجالاً تقنياً محدوداً، وإنما تحول إلى ورش مؤسساتي متكامل تتقاطع فيه الأبعاد القانونية والتنظيمية والاقتصادية والاجتماعية… وبالتالي، فإن تحليل هذا المجال يقتضي تجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل الإشكال في حوادث السير، نحو مقاربة شمولية تركز على آليات التدبير، ونجاعة التنسيق، ومدى احترام قواعد الحكامة الجيدة.

ومن المؤكد أن الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للسلامة الطرقية بالمغرب عرف تطوراً تدريجياً منذ إحداث اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير بموجب المرسوم رقم 2.72.275 الصادر بتاريخ 15 يوليوز 1977، حيث شكل هذا الإحداث لبنة أولى في بناء جهاز مؤسساتي يعنى بتنسيق الجهود الوطنية في مجال الوقاية من حوادث السير… كما أن هذا التأسيس يعكس إدراكاً مبكراً لخطورة الظاهرة وانعكاساتها على الحق في الحياة وعلى الاقتصاد الوطني.

ومن ثم، فإن تطور مفهوم التدخل العمومي في هذا المجال أدى إلى الانتقال من منطق “الوقاية” إلى منطق “الحكامة الطرقية”، خاصة مع إحداث الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية التي أضحت الفاعل المركزي في تنزيل الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2017-2026… غير أن هذا التطور المؤسساتي، رغم أهميته، يطرح إشكاليات حقيقية على مستوى التنزيل الترابي، خصوصاً في الجهات التي تعرف ضغطاً عمرانياً وديموغرافياً متزايداً، وفي مقدمتها جهة فاس-مكناس.

وعليه، فإن الإشكالية الأساسية تتمحور حول مدى قدرة الحكامة الطرقية، من خلال أدواتها القانونية والمؤسساتية، على تحقيق الفعالية الميدانية، وتقليص الفجوة القائمة بين النصوص التنظيمية والممارسة الواقعية… وهو ما يستدعي تحليل دور الفاعلين المؤسساتيين، وعلى رأسهم اللجنة الوطنية، وتشخيص واقع السلامة الطرقية، مع الوقوف عند حدود التنزيل وإكراهاته.

الفصل الأول: الإطار القانوني والمؤسساتي للحكامة الطرقية ودور اللجنة الوطنية.

لا يمكن مقاربة الحكامة الطرقية بمعزل عن بنيتها القانونية والتنظيمية التي تؤطر تدخلات الدولة في مجال السلامة الطرقية، حيث إن إحداث اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير بموجب المرسوم رقم 2.72.275 بتاريخ 15 يوليوز 1977، يشكل منعطفاً مؤسساتياً حاسماً في مسار تقنين وتنسيق الجهود الرامية إلى الحد من حوادث السير… إذ إن هذا الإطار القانوني لم يأت في سياق معزول، وإنما في إطار توجه عام نحو إرساء أجهزة متخصصة ذات طابع أفقي تتولى تجميع وتنسيق تدخلات قطاعات متعددة، في مجال يتسم بتقاطع الاختصاصات وتداخل المسؤوليات.

ومن الثابت أن الوضع القانوني للجنة، باعتبارها مؤسسة ذات منفعة عامة، يمنحها مركزاً قانونياً وسيطاً بين الإدارة المركزية والهيئات المستقلة، حيث تخضع من جهة للمراقبة التقنية لقطاع النقل، ومن جهة أخرى للمراقبة المالية للسلطة الحكومية المكلفة بالمالية… وهو ما يعكس خضوعها لمقتضيات الحكامة المالية المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل، خاصة ما يتعلق بضبط النفقات وترشيد الموارد، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي هذا الإطار، تتحدد اختصاصات اللجنة وفق منطق التعدد الوظيفي، حيث تضطلع بدور استراتيجي يتمثل في المواكبة والتتبع والتقييم، من خلال تحليل السياسات العمومية المرتبطة بالسلامة الطرقية، واقتراح التدابير الكفيلة بتحسين نجاعتها… كما تساهم في بلورة التوجهات العامة عبر إعداد برامج عمل سنوية تستند إلى مؤشرات كمية ونوعية، وهو ما ينسجم مع مبادئ التدبير المرتكز على النتائج.

وعلاوة على ذلك، تمارس اللجنة وظيفة التنسيق البيني، التي تكتسي أهمية خاصة في ظل تعدد الفاعلين المؤسساتيين، إذ تعمل على ضمان الالتقائية بين تدخلات مختلف القطاعات الحكومية، من قبيل الداخلية، التجهيز، العدل، الصحة، والأمن… إضافة إلى إشراك الفاعلين الخواص ومكونات المجتمع المدني، وهو ما يكرس مبدأ الحكامة التشاركية المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية.

كما أن اللجنة تضطلع باختصاصات تنفيذية ذات طبيعة عملياتية، تتجلى في إعداد وتنفيذ برامج التحسيس والتوعية، التي تستهدف مختلف فئات مستعملي الطريق، مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للخطر… حيث تعتمد في ذلك على وسائل تواصلية متعددة، تشمل الحملات الإعلامية، والبرامج التربوية، والشراكات مع المؤسسات التعليمية.

ومن جهة أخرى، تساهم اللجنة في دعم القدرات التقنية للمصالح المكلفة بالمراقبة الطرقية، من خلال توفير الوسائل اللوجستيكية، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة الموارد البشرية، بما يضمن تحسين جودة التدخلات الميدانية… كما تقوم بتتبع التجارب الدولية في مجال السلامة الطرقية، والعمل على تكييفها مع الخصوصيات الوطنية، في إطار مقاربة مقارنة تستند إلى تبادل الخبرات.

غير أن هذا الاتساع في نطاق الاختصاصات يطرح إشكالات قانونية ومؤسساتية مرتبطة بحدود السلطة الفعلية للجنة، حيث إن طبيعة اختصاصاتها ذات الطابع الاستشاري والتنسيقي تجعل قراراتها تفتقر في كثير من الأحيان إلى القوة الإلزامية… وهو ما يحد من قدرتها على فرض الانسجام بين مختلف المتدخلين، خاصة في ظل غياب آليات قانونية واضحة تضمن تنفيذ توصياتها.

وفي السياق ذاته، أدى إحداث الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إلى إعادة تشكيل المشهد المؤسساتي، حيث أصبحت هذه الأخيرة تضطلع بدور مركزي في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية، وهو ما يطرح إشكالية ازدواجية الاختصاصات، واحتمال تداخل الأدوار بين المؤسستين… وبالتالي، فإن غياب تحديد دقيق لحدود التدخل قد يؤدي إلى نوع من التضارب المؤسسي، ينعكس سلباً على فعالية السياسات العمومية.

ومن منظور الحكامة، يثير هذا الوضع مسألة التنسيق العمودي والأفقي، حيث إن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهيناً بمدى وضوح توزيع الاختصاصات، وتحديد المسؤوليات، وتفعيل آليات التتبع والتقييم… كما أن تعدد المتدخلين، دون وجود إطار قانوني صارم يحدد أدوارهم، قد يؤدي إلى إضعاف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

إضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة القانونية للجنة، باعتبارها مؤسسة ذات منفعة عامة، تطرح تساؤلات حول مدى استقلاليتها الفعلية، خاصة في ظل خضوعها لرقابة مزدوجة، تقنية ومالية… حيث إن هذه الرقابة، رغم أهميتها في ضمان الشفافية، قد تؤثر على مرونة اتخاذ القرار، وتحد من قدرتها على التفاعل السريع مع التحولات الميدانية.

وعليه، فإن تقييم دور اللجنة الوطنية في إطار الحكامة الطرقية يقتضي التمييز بين مستويين: مستوى التأطير النظري، حيث تساهم في بلورة السياسات وتنسيق الجهود، ومستوى الفعالية العملية، حيث تظل قدرتها على التأثير رهينة بإرادة الفاعلين الآخرين، وبمدى توفر آليات قانونية ملزمة… وبالتالي، فإن تعزيز دورها يمر عبر إعادة النظر في إطارها القانوني، بما يضمن وضوح الاختصاصات، وتقوية سلطتها التقريرية، وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير السلامة الطرقية.

 

الفصل الثاني: تشخيص واقع السلامة الطرقية بجهة فاس-مكناس في ضوء المؤشرات الإحصائية.

لا شك أن جهة فاس-مكناس تمثل نموذجاً دالاً على التعقيد الذي يطبع تدبير السلامة الطرقية على المستوى الترابي، حيث إن قراءة المؤشرات الإحصائية المرتبطة بحوادث السير تكشف عن مفارقة واضحة بين التحسن النسبي لبعض الأرقام واستمرار الخلل البنيوي في المنظومة ككل… إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى تسجيل انخفاض بنسبة تقارب 14.7% في عدد الحوادث مقارنة بسنة 2015، غير أن هذا المعطى، رغم دلالته الإيجابية الظرفية، لا يعكس تحولاً نوعياً في بنية المخاطر الطرقية، بقدر ما يعبر عن تحسن جزئي يظل محدود الأثر أمام استمرار ارتفاع عدد القتلى والجرحى.

ومن المؤكد أن التحليل الإحصائي لهذه المؤشرات يبرز أن جهة فاس-مكناس ما تزال تحتل مرتبة متقدمة ضمن الجهات الأكثر تسجيلاً لحوادث السير المميتة، وهو ما يطرح إشكالية الفعالية الترابية للسياسات العمومية في هذا المجال… حيث إن تركز الحوادث في محاور طرقية محددة، خصوصاً بين فاس وتازة ومكناس والحاجب، يعكس وجود ما يصطلح عليه قانوناً بـ“النقط السوداء”، التي تشكل بؤراً بنيوية لارتفاع نسبة المخاطر نتيجة خلل في التصميم أو غياب الصيانة أو ضعف التشوير.

وفي هذا الإطار، يلاحظ أن توزيع الحوادث لا يتم بشكل متوازن بين مختلف فئات مستعملي الطريق، إذ إن الفئات غير المحمية، وعلى رأسها الراجلون ومستعملو الدراجات النارية، تشكل النسبة الأكبر من الضحايا… وهو ما يثير تساؤلات قانونية حول مدى احترام مبدأ المساواة في الولوج الآمن إلى الفضاء الطرقي، المنصوص عليه ضمنياً في المبادئ الدستورية المرتبطة بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية.

كما أن ارتفاع نسبة الحوادث التي يكون طرفها دراجات نارية يعكس تحولات سوسيواقتصادية مرتبطة بانتشار هذا النوع من وسائل النقل، خاصة في الوسط الحضري وشبه الحضري… غير أن هذا الانتشار لم يواكبه تأطير قانوني وتقني كافٍ من حيث تخصيص المسارات، أو فرض معايير السلامة، أو تكثيف المراقبة، وهو ما يؤدي إلى تضاعف المخاطر.

وعلاوة على ذلك، فإن تحليل المعطيات المرتبطة بأسباب الحوادث يبرز أن العامل البشري يظل المحدد الأساسي، حيث تتصدر مخالفات السرعة المفرطة، وعدم احترام حق الأسبقية، والسياقة في حالة غير ملائمة، قائمة الأسباب… غير أن الاقتصار على تحميل المسؤولية للسلوك الفردي يغفل جانباً مهماً يتعلق بمسؤولية الإدارة في تهيئة بيئة طرقية آمنة، وفق ما تقتضيه قواعد المرفق العام من استمرارية وجودة وملاءمة.

وفي هذا السياق، يطرح وضع البنية التحتية الطرقية بجهة فاس-مكناس إشكالات متعددة، حيث يلاحظ وجود تفاوت كبير بين المجال الحضري والقروي من حيث جودة الطرق وتجهيزاتها… إذ تعاني العديد من الطرق القروية من هشاشة البنية، وغياب الإنارة العمومية، وانعدام علامات التشوير، مما يرفع من احتمالات وقوع الحوادث، خاصة خلال الفترات الليلية.

أما على المستوى الحضري، ورغم توفر المدن الكبرى مثل فاس ومكناس على شبكة طرقية أكثر تطوراً، فإنها تعاني من اختلالات مرتبطة بسوء التخطيط الحضري، حيث إن التوسع العمراني السريع لم يواكبه تطوير موازٍ للبنية الطرقية… وهو ما أدى إلى اختناق مروري دائم، وزيادة الضغط على المحاور الرئيسية، وبالتالي ارتفاع احتمال وقوع الحوادث.

ومن جهة أخرى، يبرز إشكال احتلال الملك العمومي الطرقي كأحد العوامل المؤثرة في تدهور مستوى السلامة، حيث يؤدي استغلال الأرصفة من طرف الباعة أو ركن السيارات بشكل عشوائي إلى تقليص الفضاء المخصص للراجلين، مما يضطرهم إلى استعمال قارعة الطريق… وهو ما يشكل خرقاً واضحاً للمقتضيات القانونية المنظمة للملك العمومي، ويؤثر سلباً على حق المواطنين في التنقل الآمن.

كما أن مسألة التشوير الطرقي تطرح بدورها إشكالات قانونية وتقنية، حيث يلاحظ في العديد من المحاور غياب أو تآكل العلامات الطرقية، أو عدم انسجامها مع المعايير المعتمدة… وهو ما يخلق حالة من الغموض لدى السائقين، ويزيد من احتمالات الخطأ، خاصة في المناطق ذات الكثافة المرورية المرتفعة.

وفيما يتعلق بولوجية الفئات الهشة، فإن المعطيات الميدانية تؤكد وجود قصور واضح في تهيئة الفضاء الطرقي بما يتلاءم مع احتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة… إذ تفتقر معظم الأرصفة إلى المنحدرات القانونية، وتغيب وسائل التشوير السمعي والبصري في الممرات، وهو ما يشكل إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص، ويطرح إشكالية احترام الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الكلفة المرتفعة لحوادث السير، والتي تقدر بحوالي 19 مليار درهم سنوياً على الصعيد الوطني، تعكس حجم الخسائر التي تتحملها الدولة، سواء من حيث نفقات العلاج، أو فقدان الإنتاجية، أو الأضرار المادية… وبالنظر إلى موقع جهة فاس-مكناس ضمن الخريطة الوطنية، فإنها تساهم بنسبة مهمة في هذه الخسائر، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على إمكانيات التنمية الجهوية.

وفي سياق متصل، يطرح تدبير السلامة الطرقية على المستوى الجهوي إشكالية التنسيق بين مختلف المتدخلين، حيث إن تعدد الفاعلين، من سلطات محلية، ومصالح أمنية، وجماعات ترابية، يؤدي في بعض الأحيان إلى تداخل الاختصاصات، وغياب رؤية موحدة… وهو ما ينعكس سلباً على فعالية التدخلات، ويؤدي إلى تبديد الموارد.

ومن زاوية قانونية، فإن هذا الوضع يطرح مسألة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث يصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الاختلالات في غياب توزيع واضح للاختصاصات… كما أن ضعف آليات التتبع والتقييم يحد من إمكانية قياس أثر السياسات العمومية، وتصحيح مسارها.

وعليه، فإن تشخيص واقع السلامة الطرقية بجهة فاس-مكناس يكشف عن منظومة تعاني من اختلالات متعددة الأبعاد، تتراوح بين السلوكي والبنيوي والمؤسساتي… وهو ما يفرض اعتماد مقاربة متكاملة تقوم على تحسين جودة البنية التحتية، وتعزيز المراقبة، وتطوير آليات التنسيق، وتكريس ثقافة مرورية قائمة على احترام القانون، بما يضمن تحقيق الأمن الطرقي في أبعاده الشاملة.

 

الفصل الثالث: نقد التنزيل الميداني وإشكالات الحكامة الطرقية.

يُبرز تحليل الممارسة الإدارية والميدانية في مجال السلامة الطرقية أن جوهر الإشكال يرتبط بمدى نجاعة تفعيل الترسانة القانونية والمؤسساتية، حيث إن الفجوة القائمة بين النص والتطبيق تشكل محدداً أساسياً في تفسير محدودية النتائج المحققة… إذ إن تعدد الاستراتيجيات والبرامج، بما فيها الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية، يظل رهيناً بمدى قدرة الفاعلين العموميين على تحويلها إلى سياسات تنفيذية قابلة للقياس والتتبع.

 

وتبعاً لذلك، يلاحظ أن البطء الإداري يشكل أحد أبرز معيقات التنزيل، حيث تتسم مساطر اتخاذ القرار بطابعها المعقد والمتشعب، الأمر الذي ينعكس سلباً على سرعة الاستجابة للحاجيات المستعجلة المرتبطة بتهيئة البنية التحتية أو معالجة النقاط السوداء… كما أن غياب آليات مرنة للتدخل الاستباقي يؤدي إلى استمرار الاختلالات رغم رصدها إحصائياً وتقنياً.

 

ومن ثم، فإن إشكالية التنسيق المؤسساتي تطرح نفسها بحدة، اعتباراً لتعدد المتدخلين في مجال السلامة الطرقية، من قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وجماعات ترابية وأجهزة أمنية… حيث إن هذا التعدد، رغم ما يحمله من إمكانيات تكاملية، يتحول في غياب إطار حكامة مندمج إلى مصدر لتداخل الاختصاصات وتضارب الأولويات، بما يفضي إلى إضعاف فعالية التدخل العمومي. كما أن غموض توزيع المسؤوليات يحد من تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل عملية تقييم الأداء مسألة معقدة من الناحية العملية.

 

إضافة إلى ذلك، يطرح غياب نظام معلوماتي موحد ومندمج إشكالاً حقيقياً في تتبع المؤشرات وتقييم السياسات العمومية، حيث تعتمد مختلف الجهات المتدخلة على قواعد بيانات متباينة، وهو ما يحد من إمكانية إنتاج معطيات دقيقة ومحيّنة… وبالتالي، فإن ضعف التنسيق المعلوماتي يؤدي إلى قصور في التشخيص، وينعكس على جودة القرار العمومي في هذا المجال.

 

وفي سياق متصل، تبرز محدودية المقاربة الزجرية كخيار شبه مهيمن في تدبير السلامة الطرقية، حيث يتم التركيز على الردع والعقوبة باعتبارهما الآلية الأساسية لضبط السلوك المروري… غير أن هذا التوجه، رغم أهميته في فرض احترام القانون، يظل قاصراً عن معالجة الجذور العميقة للظاهرة، المرتبطة بعوامل ثقافية وتربوية وسوسيولوجية. إذ إن السلوك المروري يعكس منظومة قيمية وممارسات يومية تتطلب تدخلات طويلة الأمد، قائمة على التربية الطرقية والتوعية المستدامة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن برامج التحسيس والتوعية، رغم تعددها، تعاني من محدودية في الأثر، نتيجة غياب استراتيجيات تواصلية مبنية على الاستهداف الدقيق للفئات الأكثر عرضة للخطر… كما أن ضعف إدماج التربية الطرقية في المناهج التعليمية يحد من بناء وعي مجتمعي مستدام بقواعد السير والجولان، الأمر الذي ينعكس على استمرار السلوكات الخطرة، خاصة في صفوف الشباب ومستعملي الدراجات النارية.

 

كما أن البعد الترابي للحكامة الطرقية يكشف عن تفاوتات مجالية واضحة، حيث تعاني بعض الجهات من نقص في الموارد المالية والتقنية، مما يؤثر على قدرتها على تنفيذ برامج السلامة الطرقية… ويظهر ذلك بشكل خاص على مستوى الجماعات الترابية، التي تضطلع بدور محوري في تهيئة وصيانة الطرق، لكنها تواجه إكراهات مرتبطة بضعف الإمكانيات وبمحدودية التأطير التقني.

 

وفي هذا الإطار، تظل اللجنة الوطنية المكلفة بالسلامة الطرقية فاعلاً مركزياً في منظومة الحكامة، بحكم دورها التنسيقي والاستراتيجي… غير أن تقييم أدائها يكشف عن محدودية تأثيرها على المستوى الميداني، حيث إن قراراتها وتوصياتها تكتسي في الغالب طابعاً توجيهياً، دون أن تقترن بآليات إلزامية تضمن التنفيذ الفعلي. كما أن غياب صلاحيات تقريرية واضحة يحد من قدرتها على فرض الانسجام بين مختلف المتدخلين.

 

ومن جهة أخرى، فإن إشكالية التمويل تظل عاملاً حاسماً في تفسير تعثر بعض البرامج، حيث إن الموارد المرصودة لا ترقى في كثير من الأحيان إلى حجم التحديات المطروحة… خاصة إذا ما تم استحضار الكلفة الاقتصادية المرتفعة لحوادث السير، والتي تفرض اعتماد مقاربة استثمارية قائمة على الوقاية بدل الاكتفاء بالعلاج.

كما أن تقييم السياسات العمومية في مجال السلامة الطرقية يظل محدوداً، نتيجة غياب آليات دقيقة لقياس الأثر، سواء على مستوى تقليص عدد الحوادث أو تحسين جودة الفضاء الطرقي… إذ إن التركيز ينصب غالباً على المؤشرات الكمية، دون إيلاء الأهمية الكافية للمؤشرات النوعية المرتبطة بسلوك مستعملي الطريق أو بجودة التدخلات المنجزة.

 

وتأسيساً على ما سبق، يتضح أن إشكالات الحكامة الطرقية تتجاوز البعد القانوني لتشمل أبعاداً مؤسساتية وتدبيرية وثقافية، حيث إن تحقيق الفعالية يقتضي إرساء نموذج حكامة قائم على التنسيق المندمج، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز آليات التتبع والتقييم… إضافة إلى اعتماد مقاربة شمولية تزاوج بين الزجر والوقاية، وتستند إلى معطيات دقيقة ومحيّنة، بما يضمن الانتقال من تدبير تقليدي للسلامة الطرقية إلى تدبير استراتيجي قائم على النتائج.

 

خاتمة

تؤكد المعطيات المتاحة أن الحكامة الطرقية بجهة فاس-مكناس تندرج ضمن منظومة مركبة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والمؤسساتية والسلوكية، بما يجعل تحقيق الأمن الطرقي رهيناً بمدى القدرة على إرساء مقاربة مندمجة قائمة على الالتقائية والنجاعة… وبالتالي، فإن معالجة الاختلالات القائمة تقتضي الانتقال من منطق التدخلات المجزأة إلى منطق السياسات العمومية المندمجة، المبنية على وضوح الرؤية ودقة الأهداف وقابلية القياس.

 

وفي هذا الإطار، يبرز كخيار أولي ضرورة إعادة هندسة منظومة التنسيق المؤسساتي عبر إرساء آلية حكامة أفقية وعمودية، تقوم على تحديد دقيق للاختصاصات وتوزيع واضح للمسؤوليات، بما يضمن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة… كما أن إحداث منصات رقمية موحدة لتبادل المعطيات بين مختلف المتدخلين من شأنه أن يعزز جودة القرار العمومي، ويقلص من هامش التقدير غير المؤطر، ويتيح تتبعاً آنياً لمؤشرات السلامة الطرقية.

 

ومن ثم، فإن تطوير الإطار التنفيذي يمر عبر تقوية الطابع الإلزامي للقرارات الصادرة عن الأجهزة التنسيقية، من خلال تمكينها من صلاحيات تقريرية واضحة، وربط توصياتها بآليات تنفيذية محددة زمنياً ومرفقة بمؤشرات أداء دقيقة… إضافة إلى إقرار نظام دوري للتقييم، يعتمد على تقارير مرحلية تُمكّن من قياس الفجوة بين الأهداف المسطرة والنتائج المحققة، مع ترتيب الآثار القانونية والإدارية عند تسجيل التقصير.

 

وعلاوة على ذلك، تبرز الحاجة إلى مراجعة المقاربة المعتمدة في تدبير السلامة الطرقية، عبر تحقيق توازن فعلي بين البعد الزجري والبعد الوقائي، حيث إن تعزيز المراقبة الطرقية يجب أن يتكامل مع برامج تربوية وتحسيسية موجهة، تستند إلى تحليل سوسيولوجي دقيق للفئات الأكثر عرضة للمخاطر… كما أن إدماج التربية الطرقية ضمن المناهج التعليمية بشكل عرضاني ومستدام من شأنه أن يؤسس لثقافة مرورية قائمة على الامتثال الطوعي للقانون.

 

وفي السياق ذاته، يكتسي تأهيل البنية التحتية الطرقية طابعاً استراتيجياً، حيث يتعين اعتماد مقاربة استباقية قائمة على تحديد ومعالجة النقاط السوداء وفق أولويات مضبوطة، وربط برمجة الأشغال بمعايير السلامة والولوجية، خاصة لفائدة الفئات الهشة… إضافة إلى إرساء نظام صيانة دورية يعتمد على مؤشرات تقنية واضحة، بما يضمن استدامة جودة الشبكة الطرقية وتقليص مخاطر الحوادث.

 

كما أن البعد المالي يشكل رافعة أساسية لإنجاح السياسات العمومية في هذا المجال، الأمر الذي يستدعي تخصيص موارد قارة وموجهة، مع اعتماد آليات تمويل مبتكرة، قائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص… فضلاً عن توجيه جزء من العائدات المرتبطة بالمخالفات الطرقية نحو تمويل برامج الوقاية والتأهيل، بما يعزز من منطق إعادة استثمار الموارد في تحسين السلامة الطرقية.

 

إضافة إلى ذلك، فإن إشراك المجتمع المدني يظل عاملاً حاسماً في ترسيخ الحكامة التشاركية، حيث يمكن للفاعلين الجمعويين أن يضطلعوا بدور محوري في التوعية والمواكبة الميدانية، خاصة على المستوى المحلي… كما أن تعزيز آليات التشاور العمومي يتيح إدماج انتظارات المواطنين في صياغة وتنفيذ السياسات، بما يعزز من مشروعيتها وفعاليتها.

 

وفي مستوى التقييم، يفرض الواقع اعتماد نظام وطني موحد للمؤشرات، يزاوج بين المعطيات الكمية والنوعية، ويرتكز على معايير دولية في قياس السلامة الطرقية… حيث إن تطوير قواعد البيانات وإخضاعها للتحليل الإحصائي المتقدم سيمكن من إنتاج معرفة دقيقة تدعم اتخاذ القرار، وتسمح بتوجيه الموارد نحو المجالات ذات الأولوية.

 

وتأسيساً على ما تقدم، يتحدد الرهان المركزي في القدرة على تحويل الإطار القانوني والمؤسساتي إلى ممارسة فعلية قادرة على إحداث أثر ملموس في الواقع، عبر تعزيز الالتقائية، وتكريس الشفافية، وتفعيل آليات التتبع والمساءلة… بما يفضي، نتيجة لذلك، إلى حماية الحق في الحياة، وتقليص الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لحوادث السير، وترسيخ الثقة في السياسات العمومية باعتبارها أداة لتحقيق التنمية المستدامة.