عبد الرحمان رفيق
ما يحدث في لبنان اليوم ليس حادثًا عابرًا، ولا مجرد جولة تقليدية بين إسرائيل وحزب الله، بل هو جزء من لعبة استراتيجية واسعة ومحددة الهدف: تحديد من سيجلس على طاولة المفاوضات وهو ممسك بالورقة الأقوى. لبنان لم يعد مجرد ساحة مواجهة محلية، بل أصبح أداة ضغط مركزية لاختبار رد إيران وتقدير قدرتها على التحكم في ملفاتها الإقليمية قبل أي مفاوضات.
إسرائيل تدرك أن المواجهة المباشرة مع إيران مكلفة، محفوفة بالمخاطر، وغير مضمونة النتائج، لكنها تعلم أن إيران لا تُختبر في طهران، بل على أطراف نفوذها، ولبنان هو الأهم بين هذه الأطراف. ليس فقط لأنه يمتلك قوة ردع محلية، بل لأنه يمثل الامتداد الأكثر حساسية للقدرة الإيرانية على الضغط الإقليمي. ضرب لبنان لا يهدف فقط إلى إضعاف حزب الله محليًا، بل لوضع إيران أمام اختبار دقيق: هل ستتعامل مع الضربة كملف لبناني محلي، أم كمساس مباشر بتوازنها الإقليمي؟
وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لتوضح الاستراتيجية الإسرائيلية: "لن نوقف القتال في لبنان حتى إعادة الأمن لسكان الشمال وتجريد حزب الله من سلاحه وتحقيق اتفاق سلام"، مضيفًا أن "الإنجازات الكبيرة التي تحققت ضد إيران ومحور الشر أدت إلى تغيير تاريخي في مكانة إسرائيل بالمنطقة". هذه التصريحات تؤكد أن لبنان أصبح منصة اختبار لإيران، بينما تحاول إسرائيل إبراز قوتها في الحسابات الإقليمية والدولية، وتقديم نفسها كلاعب رئيسي قادر على إعادة رسم قواعد اللعبة.
الولايات المتحدة من جهتها جعلت موقفها واضحًا: لبنان خارج اتفاق وقف النار، وهذا التفصيل ليس مجرد مسألة قانونية، بل آلية لاستمرار الضغط بحذر، وإبقاء لبنان ملعبًا مفتوحًا للاختبار، مع تجنب الانزلاق المباشر إلى مواجهة شاملة. هذا يسمح بتقييم رد إيران خطوة بخطوة، وخلق بيئة يمكن فيها التصعيد المحلي أن يتحول إلى وسيلة ضغط على المستوى الإقليمي.
التحول الأكثر خطورة يكمن في مضيق هرمز، حيث أي تهديد إيراني هناك يرفع المواجهة من مستوى محلي إلى مستوى عالمي، ويضع إيران في موقع قوة تفاوضية يمكنها من إرباك الاقتصاد الدولي عبر تهديد تدفق النفط، لكنه في الوقت نفسه خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ أي خطأ يُستغل سريعًا لعزل إيران اقتصاديًا وسياسيًا وربما عسكريًا. لبنان ومضيق هرمز مرتبطان في سيناريو واحد: الأول يختبر رد إيران محليًا، والثاني يحوّل أي تصعيد إلى أداة ضغط دولية استراتيجية.
إيران، رغم كل الضغوط، تحاول الحفاظ على صورتها كطرف قادر على الرد من دون الانجرار إلى خطأ استراتيجي. كل خطوة، بين الرد داخل لبنان أو تحريك الضغط نحو هرمز، محسوبة بعناية لإظهار قوتها، وإرسال رسالة للعالم بأنها لا تُستباح ولا تُستهدف دون حساب. السيناريوهات قبل المفاوضات واضحة: الرد في لبنان يظل محدودًا وقابلاً للإدارة، التهديد بمضيق هرمز يرفع الرهان إلى مستوى عالمي، وأي خطأ في التوقيت أو القرار يُستغل لإعادة فرض شروط جديدة على إيران.
المفاوضات القادمة هي الهدف النهائي لكل هذا التصعيد. إسرائيل تريد تقليص هامش إيران، الولايات المتحدة تريد دخول الطاولة بسقف مطالب أعلى، وإيران تسعى للحفاظ على توازنها دون فقدان هيبتها. ما يبدو كتصعيد عابر هو في الواقع حساب دقيق للرد الإيراني قبل أي مفاوضات. القرار نفسه قد يمنح إيران قوة مؤقتة، لكنه قد يُستغل لاحقًا لإعادة صياغة موقعها على الطاولة. السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا ضربت إسرائيل لبنان؟ أو لماذا لوّحت إيران بمضيق هرمز؟ بل: من سينجح في فرض اللحظة التي يرتكب فيها الآخر الخطأ؟
القوة هنا ليست في حجم الرد، بل في القدرة على تفادي الخطأ قبل أن تبدأ اللعبة. لبنان ومضيق هرمز ليسا مجرد نقاط على الخريطة، بل أدوات لإعادة صياغة التوازن قبل أي مفاوضات حاسمة، حيث تُصنع الأخطاء الكبرى وتُحدد نتائج القرارات قبل الجلوس على الطاولة. كل خطوة محسوبة، كل تهديد له هدف، وكل رد فعل له ثمن، وفي هذه الحسابات يُصنع الواقع الذي سيواجه المفاوضات المقبلة.