أحمد صدقي: هذه هي الأسباب التي تكبح الأثر التنموي للاستثمارات الكبرى على معيشة المواطنين

أحمد صدقي: هذه هي الأسباب التي تكبح الأثر التنموي للاستثمارات الكبرى على معيشة المواطنين أحمد صدقي، عضو سابق بلجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن بمجلس النواب، فريق العدالة والتنمية

بالرغم‭ ‬من‭ ‬المجهودات‭ ‬الكبيرة‭ ‬والطفرات‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬بلادنا‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬للنهوض‭ ‬ببنياتها‭ ‬التحتية‭ ‬وإنجاز‭ ‬مشاريع‭ ‬وأوراش‭ ‬كبرى‭ ‬ومهيكلة‭ ‬ونجاحها‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بالفعل‭ ‬لم‭ ‬ينتج‭ ‬عنها‭ ‬الأثر‭ ‬الإيجابي‭ ‬المأمول‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬جوانبها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المختلفة‭ ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتوفير‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬بالخصوص‭.‬


وقد‭ ‬وقفت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخطابات‭ ‬الملكية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال‭ ‬مع‭ ‬تنبيه‭ ‬الحكومات‭ ‬ومختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬إليها‭ ‬والى‭ ‬ضرورة‭ ‬معالجتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭.‬


في‭ ‬اعتقادي‭ ‬الشخصي‭ ‬فهذه‭ ‬المفارقة‭ ‬مردها‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تكبح‭ ‬عموما‭ ‬تحقيق‭ ‬الأثر‭ ‬الفعلي‭ ‬المباشر‭ ‬والمنتظر‭ ‬على‭ ‬المعيش‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطن،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بمنهجية‭ ‬وطريقة‭ ‬وضع‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬حيث‭ ‬تفتقد‭ ‬غالبا‭ ‬إلى‭ ‬شرط‭ ‬الإشراك‭ ‬الحقيقي‭ ‬والفعلي‭ ‬للمستهدفين‭ ‬بها،‭ ‬وإلى‭ ‬شروط‭ ‬أخرى‭ ‬تقنية‭ ‬متصلة‭ ‬بطرق‭ ‬التشخيص‭ ‬المعتمدة‭ ‬ونجاعة‭ ‬الدراسات‭ ‬المعتمدة،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لكل‭ ‬هذا‭ ‬يبرز‭ ‬اختلالان‭ ‬أساسيان‭ ‬يمسان‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬المعتمدة:
الأول‭ ‬هو‭ ‬فقدان‭ ‬الفعالية‭ ‬efficacité‭ ‬حيث‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المسطرة‭ ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬فقدان‭ ‬الكفاءة‭ ‬efficience‭ ‬(وهي‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬بالتكلفة‭ ‬المناسبة)‭ ‬والثالث‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬فقدان‭ ‬الملاءمة‭ ‬pertinence‭ ‬حيث‭ ‬لاتتحقق‭ ‬المطابقة‭ ‬بين‭ ‬الإجراءات‭ ‬والتدخلات‭ ‬المقررة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬منشود‭ ‬ومنتظر‭ ‬حقيقة،‭ ‬يعني‭ ‬فحتى‭ ‬لو‭ ‬تحققت‭ ‬الأهداف‭ ‬الموضوعة‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭.‬


إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬المنهجية،‭ ‬فهناك‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭ ‬تعمق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال:
-‭ ‬اختلال‭ ‬التوزيع‭ ‬المجالي‭ ‬لهذه‭ ‬المشاريع‭ ‬والاوراش‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬تبقى‭ ‬مناطق‭ ‬الأطراف‭ ‬والهوامش‭ ‬والمناطق‭ ‬النائية‭ ‬والجبلية‭ ‬بعيدة‭ ‬تمام‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬دينامية‭ ‬هذه‭ ‬الاوراش‭ ‬والمتمركزة‭ ‬بالواجهة‭ ‬الأطلسية‭ ‬وبالأقطاب‭ ‬الكبرى،‭ ‬
-‭ ‬غياب‭ ‬بنيات‭ ‬وسيطة‭ ‬تصل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬البنيات‭ ‬الكبرى‭ ‬والبنيات‭ ‬القاعدية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالمعيش‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطنين‭.‬
-‭ ‬كون‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬صرح‭ ‬البنيات‭ ‬هو‭ ‬الشروع‭ ‬بالأدنى‭ ‬والأصغر‭ ‬ثم‭ ‬التدرج‭ ‬نحو‭ ‬الأرقى‭ ‬والأكبر‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭.‬
- مشكل‭ ‬التبعية‭ ‬التقنية‭ ‬واستيراد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬والقطارات‭ ‬الفائقة‭ ‬السرعة‭ ‬حيث‭ ‬ضعف‭ ‬استفادة‭ ‬المقاولة‭ ‬الوطنية‭ ‬خصوصا‭ ‬الصغرى‭ ‬الاكثر‭ ‬اتصالا‭ ‬بالبنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وبالنسيج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المحلي،‭ ‬
-‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬التكوين‭ ‬ومقتضيات‭ ‬سوق‭ ‬الأوراش‭ ‬الكبرى‭ ‬وعدم‭ ‬قدرة‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬على‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الوظائف‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬هذه‭ ‬الأوراش‭.‬
-‭ ‬استمرار‭ ‬تمدد‭ ‬حجم‭ ‬القطاع‭ ‬المهيكل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البنيات‭ ‬بالشكل‭ ‬الحقيقي‭ ‬بالنظر‭ ‬الى‭ ‬طبيعته،


كل‭ ‬هذا‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬وإرساء‭ ‬شروط‭ ‬وظروف‭ ‬اختلال‭ ‬التوزيع‭ ‬الأمثل‭ ‬لعوائد‭ ‬الثروة‭ ‬والتنمية،‭ ‬هذا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاختلالات‭ ‬العامة‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬علاقة‭ ‬بنواقص‭ ‬حكامة‭ ‬التدبير‭ ‬وضعف‭ ‬شروط‭ ‬الشفافية‭ ‬والنزاهة‭ ‬واختلالات‭ ‬مداخيل‭ ‬التدبير‭ ‬السياسي‭ ‬والديموقراطي‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬بمثابة‭ ‬القاعدة‭ ‬الصلبة‭ ‬لكل‭ ‬انطلاقة‭ ‬تعالج‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالات‭ ‬والمفارقات‭.‬