رضوان لحميدي: الواحات بإقليم زاكورة في ظل التغيرات المناخية

رضوان لحميدي: الواحات بإقليم زاكورة في ظل التغيرات المناخية رضوان لحميدي

تشكل الواحات بالمجال الجغرافي لإقليم زاكورة إحدى أهم المنظومات البيئية الهشة بالمغرب، حيث تمثل فضاءً طبيعياً واقتصادياً وثقافياً متكاملاً، ظل عبر قرون طويلة يؤمن شروط الاستقرار البشري والتنمية المحلية في بيئة شبه قاحلة. غير أن توالي سنوات الجفاف، وتسارع وتيرة التغيرات المناخية، إلى جانب اختلالات تدبير الموارد الطبيعية، كلها عوامل ساهمت في إدخال المنظومة الواحية في مرحلة حرجة، تهدد استدامتها وتوازنها الإيكولوجي.

 

إن الواحة ليست مجرد مجال فلاحي لإنتاج التمور، بل هي نظام بيئي متكامل يقوم على توازن دقيق بين الماء والتربة والغطاء النباتي والإنسان. ويعتبر وادي درعة الشريان الحيوي الذي مكن عبر التاريخ من نشوء شريط واحات يمتد من أفلا ندرا إلى امحاميد الغزلان.. ، حيث تشكل شجرة النخيل العمود الفقري لهذا النظام البيئي، لما لها من دور في تثبيت التربة، وتنظيم المناخ المحلي، وتوفير الظل الملائم لزراعة محاصيل أخرى ضمن ما يعرف بالزراعة الواحية المتدرجة.

 

غير أن هذا التوازن الطبيعي أصبح اليوم مهدداً بفعل مجموعة من الإكراهات المتداخلة، في مقدمتها الإجهاد المائي الناتج عن توالي سنوات الجفاف، وتراجع حقينة الفرشات المائية، وغياب بنية مائية قادرة على ضمان استدامة الموارد، مثل السدود التلية والعتبات المائية التي تلعب دوراً محورياً في تغذية المياه الجوفية والحد من ضياع المياه السطحية. كما أن زحف الرمال، خاصة بالمناطق القريبة من امحاميد الغزلان، يمثل تحدياً بيئياً كبيراً، يهدد بطمس أجزاء مهمة من المجال الواحي ويؤثر على خصوبة التربة.

 

إلى جانب الإكراهات المناخية، تعاني الواحة من إشكالات بنيوية مرتبطة بضعف تجديد أشجار النخيل وشيخوخة جزء مهم من الرصيد النباتي، إضافة إلى استمرار انتشار مرض البيوض الذي يشكل تهديداً حقيقياً للتنوع البيولوجي المرتبط بالنخيل. كما أن محدودية اعتماد أصناف مقاومة وقابلة للتأقلم مع التغيرات المناخية يزيد من هشاشة المنظومة الواحية.

 

ويلاحظ أيضاً أن عدداً من الممارسات الفلاحية لا تزال تعتمد على أساليب تقليدية، دون مواكبة كافية للتطورات التقنية والعلمية في مجال الزراعة المستدامة. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى ضعف برامج التكوين والتأطير الموجهة للفلاحين، وغياب آليات فعالة لنقل المعرفة والتكنولوجيا الملائمة للبيئة الواحية، فضلاً عن محدودية الإمكانيات المالية والتقنية لدى الفلاحين الصغار، الذين يشكلون الفاعل الرئيسي في الحفاظ على استمرارية هذا النظام البيئي.

 

كما أن غياب رؤية استراتيجية متكاملة لتدبير المجال الواحي يساهم في تكريس المقاربة القطاعية الضيقة، بدل اعتماد مقاربة مندمجة تأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ويبرز هذا الإشكال بشكل خاص في ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتعقيد المساطر الإدارية المرتبطة بالمشاريع الفلاحية، إضافة إلى محدودية آليات التتبع والتقييم لضمان استدامة المشاريع المنجزة.

 

ومن جهة أخرى، يشكل تدهور السواقي التقليدية وإهمال صيانتها عاملاً إضافياً في تقليص فعالية أنظمة الري المحلية التي كانت عبر التاريخ تمثل نموذجاً ناجحاً للتدبير الجماعي والعقلاني للموارد المائية. كما أن تزايد مخاطر الحرائق في السنوات الأخيرة يكشف عن الحاجة إلى تعزيز آليات الوقاية والتدخل السريع، من خلال توفير البنيات الأساسية والتجهيزات الملائمة، وإرساء أنظمة للإنذار المبكر.

 

إن إنقاذ الواحات بإقليم زاكورة يقتضي اعتماد رؤية استشرافية قائمة على مبادئ الاستدامة البيئية، وترتكز أساساً على إشكالية الماء باعتبارها المدخل الحقيقي لأي إصلاح ممكن. وفي هذا الإطار، يطرح التفكير في حلول مبتكرة، مثل تحلية مياه البحر من أكادير أو الربط بين الأحواض المائية، كخيار استراتيجي بعيد المدى يستوجب دراسات علمية دقيقة لتقييم جدواه الاقتصادية والبيئية.

 

كما يتطلب الأمر الاستثمار في إنجاز سدود تلية وعتبات مائية على طول وادي درعة، بهدف تعزيز تغذية الفرشة المائية والحد من انجراف التربة.

 

ويوازي ذلك ضرورة إعادة تأهيل السواقي التقليدية وتنقيتها بشكل دوري، بما يضمن تحسين مردودية أنظمة الري المحلية.

 

ويشكل تجديد فسائل النخيل بأصناف مقاومة للأمراض والجفاف خطوة أساسية لضمان استمرارية الرصيد النباتي، إلى جانب تشجيع البحث العلمي في مجال تطوير سلالات ملائمة للظروف المناخية المحلية. كما ينبغي دعم الفلاحين عبر برامج تكوين متخصصة في تقنيات الزراعة الواحية، وتوفير الدعم التقني والمالي لتحديث وسائل الإنتاج، بما يساهم في تحسين الإنتاجية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي داخل المجال الواحي.

 

وتبرز أهمية إشراك الفلاحين والفاعلين المحليين في بلورة السياسات المرتبطة بالواحة، باعتبارهم الأكثر دراية بخصوصيات المجال وإكراهاته. كما أن تشجيع إحداث تعاونيات فلاحية متخصصة في شجرة النخيل يمكن أن يساهم في تثمين المنتوج المحلي، واحداث دينامية اقتصادية قائمة على سلاسل إنتاج ذات قيمة مضافة.

 

ومن منظور حكامة بيئية فعالة، يظل إحداث إطار مؤسساتي خاص بالواحات خياراً مهماً لتنسيق الجهود وتوحيد الرؤية، بما يسمح بتعبئة الموارد المالية وتوجيهها نحو مشاريع ذات أثر ملموس على استدامة المنظومة الواحية. كما أن إطلاق برامج للتحسيس والتوعية بأهمية الواحة كتراث بيئي وثقافي يشكل رافعة أساسية لترسيخ ثقافة المحافظة على الموارد الطبيعية.

 

إن الواحات بإقليم زاكورة تمثل تراثاً بيئياً وإنسانياً فريداً، غير أن استمرار الضغوط المناخية والاقتصادية يفرض الانتقال من منطق التدخلات الظرفية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي المبني على المعرفة العلمية والتدبير المستدام للموارد. فالحفاظ على الواحة ليس فقط رهانا بيئيا، بل هو رهان تنموي يهم مستقبل الاستقرار البشري والاقتصادي بالمنطقة، ويستدعي تضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وباحثين ومجتمع مدني وفلاحين.

 

إن إنقاذ الشريط الواحي لوادي درعة يمر حتما عبر إعادة الاعتبار للواحة كمنظومة بيئية متكاملة، قادرة على المساهمة في تحقيق تنمية محلية مستدامة، تحافظ على التوازن بين الإنسان والطبيعة، وتضمن حق الأجيال القادمة في الاستفادة من هذا الإرث الطبيعي الفريد.