كأس شاي وصفحات صادقة
كأس ماءٍ صافية كسريرة القلب،
وشايٌ شماليٌّ يتصاعد بخاره كدعاءٍ خفيٍّ بين السماء والأرض،
وزوجُ شفنجاتٍ تفوح منهما رائحةُ الذاكرة…رغم أنها تزيت الأصابع
وروايةٌ مفتوحة على مهل، كنافذةٍ لا تُغلق.
في تلك اللحظة، لا يكون الزمن زمنًا،.بل هدنةٌ قصيرة بين صخب العالم وصمت الروح.
يمسك القارئ المجهول كتابه.
هذه المرة لم يكن مجهولا.
يمسك كما لو كان يمسك يدًا أخرى عبر الغياب،
يدَ كاتبٍ سهر طويلًا
ليسكب قلبه حبرًا، ويخبئ بين السطور أوجاعه، أحلامه، وأسرارًا لا تُقال إلا لمن يُحسن الإصغاء.
صفحاتٌ تُقلَب، وصوتُ الورق يشبه خفقان قلبٍ يستعيد نفسه، والشاي يبرد قليلًا.
لكن الدفء ينتقل…من الكوب إلى الروح، ومن الكلمات إلى الأعماق.
هناك، في دهاليز الرواية، يلتقي عالمان دون موعد: كاتبٌ كتب ليُفهم، وقارئٌ جاء ليشعر…
فتتم المصافحة في صمت، وتُعقد بينهما صداقة لا اسم لها.
الشفنجات تُؤكل ببطء، كما تُقرأ الجُمل الجميلة، خشية أن تنتهي اللذة سريعًا، وخشية أن تعود الحياة فجأةً بكل ما فيها من ضجيجٍ ونقص.
يا لها من لحظة…
لحظةُ طمأنينةٍ لا تُشترى، وقناعةٍ لا تُعلَّم، حين يكتشف الإنسان أن السعادة قد تكون بسيطة جدًا:
كأس شاي، صفحاتٌ صادقة،
وقلبٌ مستعد لأن يُصغي.