عبد الجبار الراشيدي: المساري أبدع في تقديم سردية وطنية مميزة بأسلوب جذاب

عبد الجبار الراشيدي: المساري أبدع في تقديم سردية وطنية مميزة بأسلوب جذاب جانب من اللقاء

أكد عبد الجبار الراشيدي كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، أن محمد العربي المساري ( 1936- 2015 ) الذي اهتم قيد حياته بدراسة التاريخ والجغرافيا السياسية، لفهم الحقائق والوقائع التاريخية، التي تسعف كثيرا في استيعاب الحاضر والمستقبل، " انشغل كثيرا بدول الجوار، فأبدع في تقديم سردية وطنية مميزة لما جرى ويجري بأسلوب جذاب".

 

وأوضح الراشيدي الذى كان يتحدث في ندوة نظمها بيت الصحافة، الثلاثاء سابع أبريل الجاري، بمناسبة الذكرى 12 لافتتاحه، حول موضوع : " كيف نحمى السردية الوطنية؟  من صياغة الخبر إلى صياغة التأثير" بأن المساري كان  لا يكتفي بالوقوف على الأحداث الكبرى كما هي متداولة، بل يبحث عن تفاصيل هذه الأحداث والوقائع التي قد توجد في رسالة أو وثيقة نادرة، لم ينتبه إليها كثير من الباحثين ، فيقوم بتوظيفها توظيفا نسقيا محكما ومنسجما ومتسلسلا لبناء سرديته حول واقعة معينة أو حدث أو موقف معين .

 

المغرب ومحيطه

وأشار إلى أن محمد العربي المساري، ألف كتاب " المغرب ومحيطه" في جزئين، دافع فيه بشراسة عن قضية الصحراء المغربية وعن الوحدة الترابية للمملكة، وذلك حتي ينفذ إلى عمق حقائق الأشياء ويرصد بداياتها الأولى وتطوراتها التاريخية، والفاعلين فيها، ويذهب في ذلك إلى البحث في بناء سردية الحقيقة التاريخية على ما نذر من كتابات ومن أحداث موثقة، مبرزا بأنه كان " لا يكتمل لديه هذا البناء إلا برصد التفاصيل الدقيقة، وتفاعلاتها مع بعضها البعض، واستحضار الشخصيات المؤثرة والفاعلة في صناعة الأحداث".

 

وأثار الراشيدي الانتباه إلى أن محمد العربي المساري، كرس مجهوداته البحثية والاستقصائية لفهم وتفكيك طريقة تفكير النخب السياسية لدول الجوار وخلفياتها و محددات مواقفها من المغرب وقضاياه الاستراتيجية سواء كانت هذه النخب من " الإطبلشمنت"، كما كان يسميها، عندما يتعلق الأمر بالجار الشرقي أو النخب ذات المنشأ الديمقراطي كما في حال الجار الشمالي.

 

 وذكر بأن كتاب "اسبانيا الأخرى"، كان آخر مؤلف أصدره المساري، ومن تقديم الدكتور حسن أوريد، هذا الأخير الذي اعتبر أن الكتاب يسائل النخب في البلدين لتجاوز عقد التاريخ وعداواته، والتوجه إلى بناء المستقبل  المشترك، من خلال تجاوز الأفكار المسبقة والقطع مع بعض المواقف الاسبانية الماضوية  التي تعتبر المغرب عمقا استراتيجيا لإسبانيا، من منطلق أن من يسيطر على الضفة  الجنوبية للمتوسط، يهيمن أيضا على ضفته الشمالية.

 

اسبانيا الأخرى

كما  أشار الراشيدي  إلى أن النسخة الإسبانية، من الكتاب قدمت في الدار العربية بمدريد وتولى كتابة تقديمها  وزير الخارجية الإسباني الأسبق ميغيل انخيل  موراتينوس أكد فيها  بالخصوص، بأن العربي المساري بحث دائما عن إسبانيا الأخرى، إسبانيا التي تعيد اكتشاف تاريخها المشترك مع المغرب، خصوصا إسبانيا المستعدة لبناء علاقة جديدة مع المغرب خلال القرن الواحد والعشرين. وفي هذا الصدد لاحظ الراشيدي، بأنه تم نشر الترجمة الإسبانية في لحظات مهمة من العلاقات المغربية الإسبانية.

 

 وبعد ما عبر  في ذات السياق عن اعتقاده بأن الصور النمطية ما زالت حاضرة في مجتمعاتنا، وبقلق كبير نتابع الظهور من جديد لعناصر تريد العودة بنا إلى إسبانيا القديمة، خلص الراشيدي الى القول بأن " قراءة هذا العمل سيساعد الرأي العام الإسباني لفهم أفضل للأسباب والمشاعر العميقة للمجتمع المغربي اتجاه الإسبان:.

 

وفي هذا السياق، ذكر بأن هذا الانشغال لدى المساري، كان يندرج ضمن اهتمامه الكبير بدراسة الصورة الذهنية للإسبان وتمثلاتهم الاجتماعية والسياسية حول المغرب والمغاربة، وكذا صورة اسبانيا لدى المغاربة، حيث كان يعتبر أن هناك العديد من مناطق العتمة التي ينبغي تبديدها في تاريخ العلاقات بين المملكتين لفهم جيد للآخر ولمحو الصورة السلبية لكليهما عن الآخر، حيث اشتغل على هذا الأمر سواء عندما كان عضوا في لجنة ابن رشد المغربية الإسبانية، أو عندما كان عضو المجلس الإداري لمؤسسة الثقافات الثلاث للمتوسط، أو عندما كان كاتبا عاما لاتحاد كتاب المغرب، و للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، أو في أعماله البحثية، ولقاءاته مع النخب السياسية والمثقفين والصحافين الإسبان.

 

الصورة لدى الجار

أما بالنسبة لصورة المغرب لدى الإطبلشمت، فبعدما قال الراشيدي، بأن الراحل أبدع في رسم صورتها من خلال كتابه الموسوم ب "المغرب الافتراضي في الصحافة الجزائرية"، أو "قصف الواد الناشف" الصادر سنة 2000، والذي عمل فيه على رصد الأكاذيب والأباطيل التي تروجها الآلة الإعلامية الجزائرية عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المغربي"، عبر عن اعتقاده الراسخ ، بأنها " هي نفس الماكينة التي لا زالت تشتغل إلى اليوم بنفس الحمولات المظللة والزائفة، وبكميات وافرة من عدم الود، وغياب كلي للقيم".

 

ولدى استحضاره للعلاقة التي جمعته بالعربي المساري، قال الراشيدي ، " لقد كنت محظوظا عندما اشتغلت إلى جانب من محمد العربي المساري في الحزب و النقابة والوزارة، ورأيت كيف اجتمعت في الرجل قيم النزاهة والكفاءة ونكران الذات، والجد والصرامة في العمل والمثابرة، وإعطاء عامل الوقت قيمة كبيرة ، ومتابعة أدق التفاصيل، إذ كان رحمه الله يدون كل شيئ، حتى أثناء حضوره لمناقشة الرسائل والاطروحات، كان يدون الملاحظات والأفكار المهمة، كما لم يجر يوما وراء المناصب، بل هي التي كانت تختاره، ظل متعففا شامخا كالجبل، رجل جمع بين الأخلاق والعلم والتواضع. لكنه في نفس الوقت رجل دعابة إذ كان يتخلل أسلوبه الجدي فواصل من الدعابة والمرح".

 

وكشف بأنه أثناء مشاورات تشكيل حكومة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998، " سألناه في النقابة الوطنية للصحافة المغربية، ما إذا كان سيعين وزيرا للاتصال، فأجاب بالنفي، مؤكدا أن وزير الاتصال سيكون هو سي محمد اليازغي، وأنه سيستمر في أداء مهامه على رأس النقابة، إلا أننا فوجئنا بعد ذلك بأيام قليلة بتعيينه وزيرا للاتصال، وكان ذلك برغبة شخصية من قبل جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله. وعندما انتقل من النقابة إلى الوزارة حمل معه ملف إصلاح قطاع الإعلام، وبعد أيام قليلة استدعى أعضاء لجنة متابعة توصيات المناظرة الأولى للإعلام والاتصال لتشرع في تحيين العمل الذي كانت قد أنجزته من قبل.

 

التغيير الآن

وأضاف الراشيدي بأن تصور الإصلاح كان جاهزا منذ الأسابيع الأولى لتشكيل الحكومة، وحدث أن استدعى رؤساء التحرير في وسائل الإعلام العمومية، في 21 مارس 1998 إلى ندوة داخلية بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، ومن بين ما قاله في كلمته التوجيهية،" ولا شك أن نشرة الاخبار في الاذاعة والتلفزة في حاجة إلى مراجعة جذرية ومن أجل هذا نحن مجتمعون اليوم، موضحا بإن الشعار الذي يلخص برنامج الحكومة فيما يخص القطاع الذي ننتمي إليه هو   " إعلام الحقيقة" أي أن نكف عن التنويم والتعتيم ولسان الخشب". كاشفا عن الخط التحريري الجديد الذي كان يطمح من خلاله المساري إلى " إحداث التغيير العميق في الإعلام العمومي، وهو تصور ما زلنا في الحاجة إلى أجرأته على أرض الواقع" .

 

وهكذا قال الراشيدي بأن الراحل، " آمن  بشعار التغيير الآن، وكان يعول كثيرا على سياقات المرحلة السياسية آنذاك وتفاعلاتها المختلفة ، فواجه بقوة وأنفة كبيرة ، و كان يتمنى ألا يترك وحيدا، لقد كان متحمسا إلى التغيير الآن، لكن جيوب المقاومة كانت إرادتها أقوى، وأن مياها كثيرة، جرت بعد ذلك تحت الجسر، ولم ير مشروع إصلاح الإعلام كما كان يطمح إليه المساري النور إلا في عهد حكومة ادريس جطو عندما كان محمد نبيل بنعبد الله وزيرا للاتصال".

 

ومن جهة أخرى ذكر الراشيدي، بأن سي العربي المساري، كان شخصية منفتحة على جميع تيارات الرأي والتعبير، ولا يتردد في الاستجابة للدعوات التي كانت توجه له للمشاركة في الندوات والتظاهرات السياسية والفكرية والثقافية، رجل ينساب إلى قلوب الناس بكل معاني المحبة، وهو ما جعله يحظى بتقدير الجميع من اليمين إلى اليسار، وكان يدافع عن أفكاره ومبادئه بأسلوب مميز يجعل من الارقام والمعطيات الإحصائية، والاستدلالات التوثيقية، حجته في الإقناع، مع إيلاء الاحترام الكامل للرأي الآخر.

 

وأضاف إن محمد العربي المساري الذي راكم ثروة حقيقية، ليس ثروة مادية، ولكنها ثروة  المعرفة والفكر و القراءة والتوثيق والبحث والإنتاج والتأليف، كان لا يبحث إلا عن ذرر الكتب ونواذرها، ولا ينتقي من المكتبات إلا أجودها. وكان لا يعود من أسفاره إلا وهو  محملا برزمة من الكتب يقتنيها من كبريات المكتبات في مختلف دول العالم مشير إلى أن مكتبته التي سلمتها عائلته إلى المكتبة الوطنية ضمت ما يناهز 3500 كتاب من مجالات وحقول معرفية مختلفة، تترجم الاهتمامات المتعددة للراحل، من التاريخ والآداب والسياسة، والثقافة والفن، وبلغات متعددة كالعربية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية، والبرتغالية، كما ألف رحمه الله أكثر من 20 مؤلفا.

 

رجل استثنائي

وعلى المستوى التزاماته السياسية، ذكر الراشيدي رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال بأن المساري  " كان أحد الأعمدة الفكرية والسياسية والإعلامية والثقافية الكبرى لحزب الاستقلال، استطاع أن يحظى بعطف وتقدير الزعيم علال الفاسي وهو ما زال صحافيا شابا، واستطاع بعصاميته وشخصيته المتقدة والتزامه ونضاله السياسي وعطائه الحزبي أن يحظى بثقة الاستقلاليين عندما  انتخب لأول مرة في اللجنة التنفيذية للحزب منذ 1974".  كما أشار إلى أن المساري  المؤرخ الذي كانت له إسهامات مميزة في مؤسسة علال الفاسي، قدم قراءات مفيدة جداً ونوعية لتاريخ المغرب، ولتاريخ الحركة الوطنية عموما، والحركة الوطنية في الشمال على وجه الخصوص، وكان يصر على ذلك، ليس لكونه تطوانيا أو شماليا، ولكن لإيمانه القوي بأن تاريخ المغرب ينبغي أن يقرأ في كليته وعبر بوابته الشمالية والجنوبية معاً.

 

وبخصوص مبادرة إطلاق اسم محمد العربي المساري على فضاء الكتابة داخل بيت الصحافة بطنجة، فوصفها عبد الجبار الراشيدي بأنها تكتسي أكثر من دلالة رمزية في حق علم من أعلام هذا الوطن، رجل استثنائي، متفرد بصيغة الجمع، وطني كبير، رجل دولة كان مهووسا بحب الوطن، دافع عن مغرب الديمقراطية والحرية والكرامة، وكان يعتبر أن حرية الرأي والتعبير والصحافة هي أم الحريات، وقدم إسهامات وازنة على مستوى قوانين الصحافة والنشر، وقوانين الاتصال السمعي البصري بالبلاد.