أبوبكر مازوز في وداع دار أمريكا بعد 31 عاما: "باب يُغلق.. وأثر يبقى"

أبوبكر مازوز في وداع دار أمريكا بعد 31 عاما: "باب يُغلق.. وأثر يبقى" ابو بكر مازوز في وداع تاريخي لدار أمريكا في الدار البيضاء بعد 31 عاما من الإخلاص

في لحظة تاريخية تودع فيها جدران "دار أمريكا" مقرها بساحة "بيلير غوتييه" الى منطقة القطب المالي بالعاصمة الاقتصادية، يقف أبو بكر مازوز، بعد 31 عاماً من الإخلاص، ليروي قصة حياة تحولت إلى جسور ثقافية. من حلم طالب في 1969 إلى رسالة أبدية في بناء أجيال، ينساب صوته كالنهر الذي يغذي الأرض، مشيدا بتأثير المكان الذي لم يكن حجرا، بل أرواحا وأفكارا تزرع الديمقراطية والأمل. وداع ليس نهاية، بل انتقال إلى فصول جديدة في القطب المالي، حيث يبقى الأثر خالدا.
 

السيدة القنصل العام للولايات المتحدة، السيدة مديرة دار أمريكا،
السيدات والسادة الضيوف الكرام،
أصدقائي الأعزاء، زملائي، ورفاق هذه الرحلة الطويلة،
مساء الخير،

اليوم… ليس يوماً عادياً.

إنه يوم للذاكرة، وللامتنان، وللمشاعر.
يوم نغلق فيه باباً… لكننا لا نطوي قصة.

نودّع اليوم دار أمريكا…
هذا المكان الذي يعني الكثير للكثيرين منا…
أما بالنسبة لي… فقد كان يعني كل شيء.

لأن دار أمريكا لم تكن مجرد مكان للعمل،
بل كانت مدرسة الحياة بالنسبة لي.

بدأت قصتي مع دار أمريكا سنة 1979،
عندما توصلت برسالة من هيئة الإعلام الأمريكية، تعرض عليّ وظيفة لم أطلبها، ولم أتقدم لها، ولم أتخيل يوماً أنها ستكون من نصيبي.

لكن في الحقيقة…
فإن القصة بدأت قبل ذلك بكثير.

في سنة 1969، كنت شاباً طالباً،
وحظيت بفرصة السفر إلى الولايات المتحدة ضمن برنامج التبادل الثقافي AFS.

تلك التجربة غيّرت حياتي إلى الأبد.

فتحت ذهني…
ووسّعت آفاقي…
وزرعت في داخلي حلماً:
أن أعمل يوماً في مجال الشؤون العامة،
أن أبني جسوراً بين الثقافات،
وأن أكون جزءاً من شيء أكبر مني.

لكن للحياة مسارها الخاص.

أصبحت أستاذاً للغة الإنجليزية…
واستمررت في التدريس إلى غاية سنة 1979.

ثم، وكأن الحياة تذكّرت حلمي…
عاد إليّ من جديد.

1969… و1979
عشر سنوات بين حلم… وتحقيقه.

في دار أمريكا، لم أكن أعمل فقط،
بل تعلمت… ونضجت… وتحوّلت.

بدأت من الأساسيات،
في خدمات المعلومة وتدبير الموارد،
وتعلمت كيف أنظم المعرفة وأجعلها في متناول الجميع.

ثم أصبحت أمين مكتبة مرجعي…
ثم مديراً للمكتبة الأمريكية …
ثم مختصاً في الصحافة والإعلام…
وأخيراً مختصاً في الشؤون العامة.

كل مرحلة كانت درساً،
وكل مسؤولية كانت فصلاً جديداً.

دار أمريكا لم تمنحني وظيفة فقط،
بل منحتني رسالة.

لكن ما يجعلني أكثر فخراً اليوم…
ليس مساري الشخصي،

بل مسار الآخرين.

لأن دار أمريكا كانت مكاناً تتغير فيه الحياة.

كان الطلبة يأتون بدافع الفضول…
ويغادرون بالإلهام.

وكان الأساتذة يأتون ليتعلموا…
ويعودون أقوى.

وكان النشطاء، والصحفيون، والسياسيون، والاقتصاديون،
وقادة المجتمع المدني يأتون للنقاش، وللتساؤل، وللتطور.

ومن خلال برامج التبادل، وبرنامج الزائر الدولي،
والندوات، والمؤتمرات،
ساهمت دار أمريكا في تكوين أجيال كاملة.

العديد من هؤلاء الشباب أصبحوا اليوم:
- وزراء وسفراء…
- أساتذة وعمداء جامعات…
- صحفيين وصناع رأي…
- قادة مجتمع مدني، ومحامين، ومدافعين عن حقوق الإنسان…

يمكنني أن أذكر أسماء كثيرة…
لكن القائمة طويلة جداً…
والمشاعر… أعمق من أن تُحصر في كلمات.

لقد أدرك الجميع أن رسالتنا لم تكن فقط تقديم صورة عن الولايات المتحدة،
بل كانت أيضاً ترسيخ قيم مشتركة بيننا جميعاً:

حقوق الإنسان،
حرية التعبير،
الولوج إلى المعرفة،
الديمقراطية.

واليوم، ونحن نستعد لمغادرة هذا المبنى…

دعونا نتذكر شيئاً مهماً:

دار أمريكا ليست هذا المبنى.

ليست الجدران…
ولا المكتبة…
ولا المكاتب…

إنها الناس،
والأفكار،
والأثر.

وهذا… لن يزول أبداً.

لأن دار أمريكا ستستمر، أقوى من أي وقت مضى،
داخل المركب الجديد للقنصلية الأمريكية،
حيث ستجتمع كل مكونات البعثة الأمريكية،
لتفتح فصلاً جديداً من التعاون والانخراط والفرص،
في الدار البيضاء وفي الجنوب المغربي.

أما أنا…

فقلبي اليوم مليء بالامتنان.

امتنان للثقة التي وُضعت فيّ…
وامتنان للصداقة التي بنيتها على مدى عقود…
وامتنان لآلاف الأشخاص الذين كان لي شرف التأثير في حياتهم… والذين أثروا في حياتي بدورهم.

وقبل كل شيء…

امتنان لمسار لم يتيح لي فقط أن أنمو…
بل أن أرد الجميل.

لأن كل ما تعلمته هنا…
حملته معي إلى مجتمعي…

وكان مصدر إلهام لي لتأسيس مبادرات مثل
مؤسسة إدماج للتنمية،
والمدن الشقيقة المتوأمة، لمواصلة نفس الرسالة من خلال

التمكين… التعليم… ومنح الأمل.

السيدات والسادة،

اليوم، لا نقول وداعاً…

بل نقول:

شكراً.

شكراً دار أمريكا…
على ما قدمتِ لنا…
على ما جعلتنا نصبح عليه…
وعلى ما ستستمرين في إلهامنا به.

قد يُغلق المبنى…
لكن الأثر… باقٍ.

شكراً لكم.